توصلت شركات إنتاج وتوزيع الأدوية والمستلزمات الطبية إلى اتفاق مع الحكومة المصرية يقضي بتأجيل أي زيادات جديدة في أسعار الأدوية خلال الفترة المقبلة، مقابل التزام الدولة بسداد المديونيات المتراكمة على هيئة الشراء الموحد لمصلحة الشركات الموردة.وقال رئيس شعبة صناعة الدواء باتحاد الغرف التجارية، علي عوف، لـ”العربي الجديد”، إن هيئة الشراء الموحد سددت نحو 43 مليار جنيه من مستحقات شركات الأدوية وموردي المستلزمات الطبية، وهي ديون تراكمت منذ جائحة كورونا عام 2020، مؤكداً أن تسوية هذه المستحقات أنهت واحدة من أبرز الأزمات التي كانت تؤدي إلى زيادة تكلفة الدواء وتعطل خطوط الإنتاج لفترات طويلة.وأوضح عوف أن هناك اتفاقاً مع الحكومة على تثبيت أسعار الأدوية بالمستشفيات والصيدليات خلال الأسابيع المقبلة، رغم تداعيات الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، وما تسببه من اضطرابات في سلاسل الإمداد وارتفاع أسعار الطاقة والخامات، طالما ظل سعر الدولار دون مستوى 55 جنيهاً بالبنوك. وأضاف أن مجلس الوزراء أصدر توجيهات للبنوك بتوفير الدولار لمستوردي الخامات والأدوية التي لا بدائل محلية لها، خصوصاً أدوية الأورام والقلب والأمراض المزمنة.وحذر عوف المستهلكين من شراء أدوية مجهولة المصدر يتم الترويج لها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وغير حاصلة على موافقات هيئة الدواء، مشيراً إلى انتشار أدوية مغشوشة ومنتهية الصلاحية تُباع بعبوات تحمل أسماء شركات عالمية، بما يشكل خطراً مباشراً على حياة المرضى. كما أكد أن نقص بعض الأصناف الدوائية أصبح ظاهرة عالمية مرتبطة باضطرابات الحرب والتجارة، داعياً المرضى إلى مطالبة الأطباء بكتابة البدائل المعتمدة على المادة الفعالة وليس الاسم التجاري فقط.

وقال مسؤول سابق بغرفة صناعة الدواء لـ”العربي الجديد” إن أزمة النواقص تعكس اعتماد الصناعة المحلية على استيراد نحو 90% من مستلزمات الإنتاج، التي تمثل 75% من التكلفة، إلى جانب اعتماد السوق على أدوية مستوردة تامة الصنع تتأثر بتقلبات الدولار وسلاسل الإمداد. وشدد على ضرورة عقد اجتماعات دورية بين الحكومة والمصنعين والموزعين لتنسيق الأولويات وتفادي حدوث فجوات مفاجئة في الإمدادات.ورصدت “العربي الجديد” تصاعد معاناة المرضى مع اختفاء أدوية حيوية وارتفاع أسعار أصناف أخرى، وسط تحذيرات من تفاقم الأزمة خلال الأشهر المقبلة إذا استمرت الضغوط على الشركات والموردين. وتحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مساحة يومية لشكاوى المرضى من نقص أدوية الأمراض المزمنة والأورام والسكري والحالات النفسية، مع تزايد البلاغات المقدمة إلى منظومة شكاوى مجلس الوزراء بشأن تأخر صرف الأدوية من الصيدليات والمستشفيات الحكومية.ويؤكد مرضى أن رحلة البحث عن العلاج أصبحت تستغرق ساعات طويلة، فيما يضطر كثيرون إلى شراء بدائل أعلى سعراً أو اللجوء إلى مجموعات التواصل الاجتماعي لمعرفة أماكن توافر الأدوية الناقصة. وتتكرر شكاوى أهالي الأطفال المصابين بالسكري من نقص بعض أنواع الإنسولين وشرائط قياس السكر داخل منظومة التأمين الصحي، رغم تأكيدات وزارة الصحة وهيئة الشراء الموحد بتوافر مخزون استراتيجي من الإنسولين. وتقول الأسر إن الأزمة لا ترتبط بغياب المخزون، بل بصعوبة وصوله بانتظام إلى المحافظات والصيدليات.وفي الوقت نفسه، تتزايد المخاوف داخل سوق الدواء بعد تقارير تحدثت عن دراسة هيئة الدواء طلبات تقدمت بها شركات لرفع أسعار أدوية الأورام والتخدير والهرمونات والأدوية البيولوجية بنسبة تتراوح بين 15 و20%. وتشير تقديرات متداولة إلى أن الزيادات المحتملة قد تشمل نحو 150 صنفاً دوائياً من أصل 17 ألف دواء متداول، خصوصاً المستحضرات المستوردة أو المعتمدة على خامات أجنبية مرتفعة التكلفة.

وكان عوف قد صرح سابقاً بأن شركات عديدة تواجه صعوبة في استمرار الإنتاج والتوريد بالأسعار الحالية، موضحاً أن تكلفة الإنتاج ارتفعت بنحو 40% بسبب زيادة أسعار الخامات والشحن والتأمين والدولار. كما كشف مسؤولون بغرفة صناعة الدواء عن ارتفاع أسعار الخامات الدوائية بين 20 و70% خلال الأشهر الماضية نتيجة اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية وارتفاع تكاليف النقل والشحن.ويقول أصحاب صيدليات إنهم يواجهون غضب المرضى يومياً بسبب اختفاء بعض الأصناف أو ارتفاع أسعارها، بينما تعاني الصيدليات الصغيرة من نقص السيولة وتراجع هوامش الربح. وأكد صيادلة لـ”العربي الجديد” أن بعض الشركات خفضت الكميات الموردة، فيما تختفي الأدوية سريعة التداول فور وصولها بسبب زيادة الطلب ولجوء بعض المرضى إلى التخزين خوفاً من زيادات جديدة.وتعكس الشكاوى المتداولة حالة قلق واسعة بين أصحاب الأمراض المزمنة، إذ يشكو كثيرون من ارتفاع تكلفة العلاج الشهري بصورة تتجاوز قدرتهم الشرائية، بينما يخشى آخرون توقف بعض الشركات عن إنتاج الأدوية منخفضة السعر لعدم جدواها الاقتصادية.في المقابل، تؤكد هيئة الدواء المصرية أنها تتبع نظام تسعير “انتقائي” يعتمد على دراسة تكلفة كل مستحضر بشكل منفصل، وأن أي زيادة سعرية لا تتم إلا بعد مراجعة دقيقة لتكاليف الإنتاج والاستيراد، مع الحفاظ على التوازن بين استمرار توفير الدواء وحماية المرضى من زيادات كبيرة.ويرى خبراء أن الأزمة تكشف هشاشة اعتماد صناعة الدواء المصرية على استيراد المواد الخام والمكونات الفعالة من الخارج، ما يجعلها شديدة التأثر بتقلبات سعر الصرف وتكاليف النقل والطاقة. كما يحذر حقوقيون من أن استمرار نقص بعض الأدوية الحيوية، بالتزامن مع الزيادات المرتقبة، قد يدفع مزيداً من المرضى إلى تقليل الجرعات أو تأجيل العلاج، بما يهدد بارتفاع معدلات المضاعفات والوفيات، خصوصاً بين مرضى الأورام والسكري والأمراض المزمنة.