تدخل مصر مرحلة جديدة في ملف الإسكان بعد إعلان الحكومة بدء تفعيل نموذج مختلف تمامًا عن الصيغ التقليدية التي اعتمدت عليها الدولة لعقود يقوم على إتاحة أراضٍ مرفقة للمطورين العقاريين مقابل تنفيذ وحدات سكنية للشباب ومحدودي الدخل دون أن تتحمل الدولة تكلفة الإنشاء المباشرة.
النموذج الجديد لا يُعد مجرد طرح أراضٍ أو مبادرة إسكان إضافية بل يمثل تحولًا كاملًا في فلسفة إدارة الأصول الحكومية حيث تتحول الأرض من أصل يتم بيعه للحصول على سيولة فورية إلى أداة استثمارية تستخدمها الدولة لإنتاج وحدات سكنية وخدمات وتنمية عمرانية طويلة الأجل.
التحرك الحكومي جاء عبر كراسة شروط رسمية طرحتها وزارة الإسكان وهيئة المجتمعات العمرانية ضمن المبادرة الرئاسية “سكن لكل المصريين” مع تحديد مواقع الأراضي والمدد الزمنية وآليات التنفيذ والتمويل والتخصيص بصورة تفصيلية بما يؤكد أن المشروع دخل بالفعل مرحلة التنفيذ الفعلي وليس مجرد أفكار مطروحة للنقاش.
من “الدولة تبني وحدها” إلى “الدولة شريك بالأرض”
على مدار سنوات طويلة اعتمدت الحكومة المصرية على نموذج مباشر في الإسكان يقوم على تخصيص الأرض وتمويل البناء ثم تنفيذ المشروع بالكامل من خلال الدولة قبل طرح الوحدات للمواطنين لكن الارتفاع الضخم في تكلفة مواد البناء وأسعار الفائدة والضغط المتزايد على الموازنة دفع الحكومة للبحث عن نموذج مختلف يسمح باستمرار التوسع في الإسكان الاجتماعي دون استنزاف الإنفاق العام بنفس المعدلات السابقة.
هنا ظهر النموذج الجديد الذي يعتمد على دخول الدولة بالأرض والمرافق باعتبارهما حصة عينية داخل المشروع بينما يتحمل المطور العقاري تكلفة الإنشاء والتشطيبات والتنفيذ الكامل وفي المقابل يحصل المطور على العائد الناتج عن الأنشطة التجارية والخدمية والإدارية داخل المشروع بينما تحصل الدولة على الوحدات السكنية المخصصة للشباب ومحدودي الدخل ضمن المبادرة الرئاسية.
هذا التحول يعني أن الأرض لم تعد مجرد أصل يُباع لتحقيق إيراد سريع وإنما أصبحت أداة تستخدمها الدولة لتوليد وحدات سكنية وفرص عمل ونشاط اقتصادي وقيمة عمرانية مستمرة.
شقق دار مصر
كيف يعمل النموذج الجديد فعليًا؟
وفق كراسة الشروط تقوم هيئة المجتمعات العمرانية بتسليم المطور قطعة أرض مرفقة داخل المدن الجديدة على أن تلتزم الهيئة بإيصال المرافق الرئيسية إلى حدود الأرض خلال مدة لا تتجاوز عامًا واحدًا من صدور القرار الوزاري بعد ذلك يتحمل المطور العقاري جميع أعمال المشروع بداية من التصميم واستخراج التراخيص وحتى تنفيذ العمارات والتشطيبات الكاملة وشبكات المرافق الداخلية وربطها بالشبكات الرئيسية.
المطور يتحمل كذلك تنفيذ شبكات المياه والصرف والكهرباء والغاز والتليفونات والطرق الداخلية وأعمال اللاندسكيب والخدمات بينما يحصل في المقابل على العائد الاقتصادي الناتج عن الوحدات التجارية والإدارية والخدمية داخل المشروع.
الحكومة من جانبها لن تدفع تكلفة البناء نفسها لكنها ستحصل على الوحدات السكنية الجاهزة لتخصيصها للمواطنين ضمن برامج الإسكان الاجتماعي المدعوم.
دار مصر
مجتمعات متكاملة لا “عمارات إسكان” فقط
أحد أهم التغييرات التي تكشفها كراسة الشروط أن الدولة لم تعد تتجه إلى إنشاء تجمعات سكنية تقليدية محدودة الخدمات بل إلى بناء مجتمعات عمرانية متكاملة تحتوي على نشاط اقتصادي وخدمي مستدام.
الكراسة تنص على تخصيص نحو 80% من مساحة المشروع للوحدات السكنية والإدارية والتجارية بينما تُخصص 20% للخدمات وهذا يعني أن المشروع لن يكون مجرد عمارات سكنية لكنه سيضم محلات وأنشطة خدمية وإدارية ومناطق تشغيل وربما خدمات طبية وتجارية صغيرة وفق طبيعة كل مدينة.
الحكومة تراهن هنا على خلق بيئة عمرانية أكثر استدامة بدلًا من نماذج الإسكان القديمة التي كانت تتحول في بعض الأحيان إلى مناطق تفتقر للخدمات أو النشاط الاقتصادي الحقيقي.
لماذا يقبل المطور الدخول في المشروع؟
العنصر الأهم بالنسبة لأي مطور عقاري هو الأرض خصوصًا بعد الارتفاع الكبير في أسعار الأراضي وتكاليف التمويل خلال السنوات الأخيرة فحصول المطور على أرض مرفقة جاهزة يقلل بصورة ضخمة من حجم التمويل المطلوب منه لأن تكلفة شراء الأرض وتجهيزها بالمرافق تمثل جزءًا هائلًا من تكلفة أي مشروع عقاري.
في المقابل يحقق المطور أرباحه من الجزء التجاري والخدمي داخل المشروع وربما من إدارة بعض الأصول مستقبلًا بينما يضمن وجود طلب حقيقي على الوحدات بسبب ارتباطها ببرامج التمويل العقاري المدعوم.
شقق دار مصر
شاهد ايضاً
19 ألف وحدة في 8 مدن جديدة
المرحلة الأولى من المشروع تستهدف إنشاء نحو 19 ألف وحدة سكنية داخل 8 مدن جديدة بإجمالي مساحة تقترب من 383 فدانًا وتشمل المدن المطروحة حدائق أكتوبر والعاشر من رمضان وأكتوبر الجديدة وسوهاج الجديدة والسادات والعبور الجديدة وأسيوط الجديدة وحدائق العاصمة.
بعض المدن ستشهد طرح عدة قطع أراضٍ داخل أحياء مختلفة ففي حدائق أكتوبر مثلًا جرى طرح أربع قطع أراضٍ بالقرب من تقاطع طريق الفيوم ووصلة دهشور الجنوبية بينما تشهد العاشر من رمضان طرح قطع أراضٍ بالقرب من الحديقة المركزية وبعض الأحياء الجديدة كما تتضمن مدينة أكتوبر الجديدة قطعة أرض جنوب طريق الواحات وتشهد العبور الجديدة عدة قطع أراضٍ موزعة على مواقع مختلفة داخل المدينة.
شقق دار مصر
36 شهرًا للتسليم الكامل
الحكومة وضعت جدولًا زمنيًا صارمًا للمطورين إذ يجب تسليم الوحدات كاملة التشطيب خلال مدة لا تتجاوز 36 شهرًا أما تنفيذ الخدمات على المساحات المخصصة لها فيصل إلى خمس سنوات.
هذا الشرط يعكس محاولة الدولة تجنب أزمات التأخير التي ظهرت في بعض المشروعات السابقة سواء فيما يتعلق بتأخر التشطيبات أو تأخر توصيل الخدمات والمرافق.
الدولة لا تزال تتحكم في التخصيص والتسعير
ورغم دخول القطاع الخاص كمطور ومنفذ رئيسي فإن الدولة لا تزال تتحكم بالكامل في شروط التخصيص وآليات البيع. الوحدات تخضع لشروط صندوق الإسكان الاجتماعي ودعم التمويل العقاري بما يشمل حدود الدخل وعدم سبق الاستفادة وعدم امتلاك وحدة سكنية أخرى.
كما يلتزم المطور ببيع الوحدات بنظام التمويل العقاري المدعوم بعائد 8% متناقصة ولمدة تصل إلى 20 عامًا وهو ما يعني أن المشروع لا يتحول إلى إسكان استثماري حر لكن يظل داخل الإطار الاجتماعي الذي تحدده الحكومة.
بالتالي يظل دور المطور هو التمويل والتنفيذ والإدارة الإنشائية بينما تحتفظ الدولة بالتحكم الكامل في الفئات المستهدفة وآليات التسعير والدعم.
لماذا تتجه الدولة لهذا النموذج الآن؟
التحول الجديد يأتي في توقيت تواجه فيه الحكومة تحديات ضخمة مرتبطة بارتفاع تكلفة البناء وأسعار الفائدة والضغط على الإنفاق العام في وقت ما تزال فيه الدولة مطالبة بتنفيذ مئات الآلاف من الوحدات السكنية سنويًا.
وفي الوقت نفسه يمتلك القطاع الخاص قدرة أسرع على التنفيذ وخبرات تشغيلية وتمويلية أكبر لكنه يواجه هو الآخر تحديات مرتبطة بارتفاع تكلفة التمويل وتباطؤ بعض المبيعات لذلك تحاول الحكومة خلق معادلة جديدة تقوم على أن تدخل الدولة بالأرض والتنظيم بينما يدخل المطور بالتمويل والتنفيذ والخبرة التشغيلية.
نموذج عالمي بصيغة مصرية
الفكرة نفسها ليست جديدة عالميًا إذ تعتمد على نماذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص ونماذج تعظيم قيمة الأرض المستخدمة في الصين وبعض دول الخليج وآسيا، حيث تستخدم الحكومات قيمة الأراضي لتوليد مشروعات وتنمية بدلًا من بيع الأصل نفسه.
وفي مصر ظهرت تطبيقات قريبة من هذا النموذج في العاصمة الإدارية وبعض مشروعات هيئة المجتمعات العمرانية لكن الجديد هذه المرة هو تطبيق الفكرة بصورة مباشرة على الإسكان الاجتماعي والإسكان الموجه لمحدودي ومتوسطي الدخل.
التحدي الحقيقي
رغم المزايا الكبيرة للنموذج الجديد يبقى نجاحه مرتبطًا بقدرة الدولة على فرض رقابة حقيقية على جودة التنفيذ ومنع التحايل في الأسعار أو تغيير طبيعة المشروعات مستقبلًا، إضافة إلى الالتزام بالجداول الزمنية المحددة.
كما يعتمد نجاح التجربة بصورة كبيرة على استمرار برامج التمويل العقاري المدعوم لأن الفائدة المدعومة تمثل العنصر الأساسي الذي يسمح للمواطنين بشراء الوحدات.
وفي حال نجاح المرحلة الأولى فمن المتوقع أن يتحول هذا النموذج إلى آلية دائمة تستخدمها الدولة مستقبلًا في الإسكان المتوسط ومشروعات الإيجار وتطوير المدن الجديدة وحتى إعادة تأهيل المناطق العمرانية القديمة وهو ما قد يجعل مصر أمام واحدة من أكبر عمليات إعادة تشكيل سوق الإسكان خلال السنوات المقبلة.
اقرأ أيضًا.. الولايات المتحده تضخ مليار دولار لتحديث أسرع طائرة شبحية في العالم
نسخ الرابط
تم نسخ الرابط








