شهدت أسواق الجملة المصرية، وفي مقدمتها سوق العبور المركزي، موجة جديدة من التباين السعري الحاد في محاصيل الخضراوات الأساسية، حيث سجلت أسعار الطماطم عالية الجودة، والمعروفة بـ “أول قطفة” أو “بشاير المحصول الجديد”، مستويات قياسية غير مسبوقة لتصل إلى 1200 جنيه للقفص الواحد.
يأتي هذا الارتفاع الحاد مدفوعاً بزيادة الطلب الاستهلاكي والتجاري على المنتجات الفاخرة ذات الجودة العالية، في وقت يترقب فيه الشارع الاقتصادي انعكاس هذه القفزة على أسعار المستهلك النهائي في محلات التجزئة، وسط توقعات قوية ببلوغ سعر الكيلو نحو 60 جنيهاً خلال الأيام القليلة المقبلة، مقارنة بنحو 50 جنيهاً يسجلها السوق في الوقت الحالي.
وفي المقابل، أظهرت حركة التداول اليومية في أسواق الجملة انقساماً واضحاً في آليات التسعير وفلسفة العرض والطلب؛ فبينما استأثرت المنتجات الجديدة ذات الجودة المرتفعة بالحصيلة الأكبر من المكاسب السعرية نتيجة لندرة المعروض منها في بداية الموسم الحصادي الحالي.
وكشفت مصادر مطلعة ل “المال “أنه وشهدت الأصناف الأقل جودة والمتبقية من نهاية العروات السابقة تراجعاً ملحوظاً في أسعارها. ويعود هذا الانخفاض الإنتاجي إلى رغبة التجار والموردين في تصفية الكميات المتاحة لديهم سريعاً قبل تعرضها للتلف نتيجة العوامل الجوية، مما خلق حالة من التوازن النسبي للمستهلكين الذين يبحثون عن بدائل اقتصادية أقل تكلفة، وإن كان ذلك على حساب الجودة والصلابة والصلاحية للتخزين لفترات طويلة.
وتكتسب الطماطم أهمية استراتيجية فائقة في هيكل الإنتاج الزراعي والأمن الغذائي المصري، إذ تُصنف مصر باستمرار ضمن المراكز العشرة الأولى عالمياً في إنتاج هذا المحصول الحيوي، وتحديداً في المركز الخامس عالمياً.
وتتوزع زراعة الطماطم في البلاد على ثلاث عروات رئيسية متداخلة طوال العام لضمان استدامة المعروض (وهي العروة الصيفية، والنيلية، والشتوية)، حيث تصل المساحة الإجمالية المنزرعة سنوياً إلى نحو 400 ألف فدان إلى 450 ألف فدان، تنتج في مجملها ما يتراوح بين 6.5 إلى 7 ملايين طن سنوياً.
شاهد ايضاً
وتعد محافظات البحيرة، والفيوم، والمنيا، والإسماعيلية، وقنا من أكبر مراكز الثقل الإنتاجي للمحصول، مما يجعل أي تذبذب في إنتاجية هذه المحافظات نتيجة للتغيرات المناخية أو فترات انتقال الفصول مؤثراً مباشراً وسريعاً على معدلات التضخم الغذائي في السوق المحلي.
وكشفت مصادر بسوق العبور لـ “المال” أن وصول سعر القفص عالي الجودة إلى حاجز 1200 جنيه يعكس بشكل مباشر التكلفة الاستثمارية المرتفعة التي يتكبدها المزارعون في بداية العروة الجديدة، والتي تشمل الارتفاعات المتتالية في أسعار التقاوي المستوردة، والأسمدة المدعومة والحرّة، ومستلزمات الإنتاج، فضلاً عن زيادة تكاليف الطاقة ومصادر وقود آلات الري، بجانب أجور العمالة خلال عمليات الجني والفرز الأولى.
وأكدوا أن “أول قطفة” للفدان تمتاز بمواصفات تسويقية وتصديرية فائقة من حيث الحجم والصلابة واللون، مما يجعلها تحظى بطلب مرتفع واستثنائي من كبار الموزعين والسلاسل التجارية الكبرى والفنادق، وهو ما يدفع بأسعارها إلى هذه القمم السعرية المؤقتة قبل تدفق بقية المحصول.
وعلى صعيد قطاع التجزئة وسلاسل الإمداد النهائية، يرجح تجار ومراقبون أن قفزة أسعار الجملة الحالية ستلقي بظلالها سريعاً على آليات البيع اليومية للمواطنين، حيث يتوقع أن يسجل سعر الكيلو 60 جنيهاً كمتوسط عام في الأسواق الشعبية والمحلات التجارية بدلاً من 50 جنيهاً المتداولة حالياً.
وتأتي هذه الزيادة المتوقعة لتضع ضغوطاً إضافية مؤقتة على القوة الشرائية للمستهلكين، لا سيما أن الطماطم تعد القاسم المشترك الأعظم في النمط الغذائي اليومي للأسر المصرية. ومع ذلك، تتوقع شعبة الخضراوات والفاكهة بالغرف التجارية أن تبدأ حدة هذه الارتفاعات السعرية في الانكسار التدريجي مع اكتمال نضج المحاصيل في مساحات أوسع ودخول إنتاج المحافظات الأخرى إلى خطوط التوريد، مما يسهم في وفرة المعروض وتراجع الأسعار إلى مستوياتها التوازنية العادلة.








