Published On 19/5/202619/5/2026

مع اقتراب عيد الأضحى، تبدو أسواق اللحوم في لبنان مثقلة بأعباء الحرب والأزمة الاقتصادية، بعدما تحولت الأضاحي من طقس ديني واجتماعي معتاد إلى عبء مالي يفوق قدرة شرائح واسعة من اللبنانيين، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية بصورة حادة.

ورصد الصحفي محمد الجنون للجزيرة مشاهد الحركة في أسواق القصابين ومزارع الأغنام، حيث تتقاطع معاناة المواطنين مع تداعيات العدوان الإسرائيلي والأزمة المالية المستمرة منذ سنوات، وسط مخاوف من موسم عيد باهت تغيب عنه الأضاحي لدى كثير من العائلات.

اقرأ أيضا

list of 2 itemsend of list

في الأسواق اللبنانية، يواصل القصابون عملهم رغم ارتفاع أسعار المواشي واللحوم، بينما ينعكس الغلاء مباشرة على حجم المبيعات وقدرة الناس على شراء احتياجاتهم، خصوصا مع تراجع الدخل وارتفاع تكاليف المعيشة بصورة متسارعة خلال الأشهر الماضية.

ويقول القصاب عبد القادر حمية إن البلاد تمر بأزمات “صعبة للغاية”، موضحا أن أسعار اللحوم والمواشي ارتفعت بشكل كبير، ما انعكس على حركة البيع والشراء، رغم محاولات القصابين مراعاة الظروف المعيشية للناس والنازحين في مناطقهم.

ويشير حمية إلى أن الطلب على الأضاحي كان أكثر نشاطا في السنوات الماضية، حيث كانت الحجوزات تبدأ قبل العيد بأسابيع، إلا أن الإقبال هذا العام تراجع بصورة واضحة، بفعل الضغوط الاقتصادية وارتفاع الأسعار بشكل غير مسبوق.

انهيار قيمة الليرة اللبنانية رفع أسعار لحوم الأضاحي بشكل غير مسبوق (الجزيرة)

أعباء الحرب المعيشية

ولا يقتصر تأثير الأزمة على القصابين وحدهم، بل يمتد إلى المواطنين الذين باتوا يواجهون تقلبات يومية في أسعار المواد الغذائية، وسط أجواء حرب وتدهور اقتصادي يضاعف من القلق والمعاناة الاجتماعية في مختلف المناطق اللبنانية.

وتقول المواطنة صبحية ركان إن الأسعار تتغير بشكل يومي، مؤكدة أن الأعياد تمر على اللبنانيين في أجواء “قهر وحزن”، بينما يبقى الفقراء والمحتاجون الفئة الأكثر تضررا من الغلاء وتدهور الأوضاع الاقتصادية والمعيشية في البلاد.

وتضيف صبحية أن اللبنانيين باتوا يتفاجؤون يوميا بارتفاعات جديدة في الأسعار، معتبرة أن الحرب والأزمة الاقتصادية فرضتا واقعا قاسيا دفع كثيرين إلى الاكتفاء بالصبر وانتظار انفراج يخفف من الأعباء المتراكمة على حياتهم اليومية.

بدورها، تؤكد المواطنة أم سالم دمج أن الوضع الاقتصادي في لبنان أصبح “غير محتمل”، مشيرة إلى أن الغلاء طال مختلف المناطق والفئات الاجتماعية، مع ارتفاع أسعار المواد الغذائية وتراجع القدرة على تأمين الاحتياجات الأساسية للأسر اللبنانية.

وفي ظل النزوح الواسع الناتج عن الحرب، يوضح القصاب محمد غازي رمضان أن حركة البيع لا تزال مستمرة نسبيا بسبب وجود نازحين في بعض المناطق، رغم الضائقة الاقتصادية التي دفعت كثيرين إلى تقليص استهلاك اللحوم والإنفاق بشكل عام.

ويشير رمضان إلى أن الطلب على الأضاحي ما زال قائما بدرجات متفاوتة، لكنه يتوقع ارتفاع أسعار الأغنام خلال فترة العيد نتيجة زيادة الطلب، لافتا إلى أن الحرب وتداعياتها قد تدفع الأسعار إلى مستويات أعلى خلال الفترة المقبلة.

الغلاء يضاعف محنة اللبنانيين على أبواب عيد الأضحى (الجزيرة)

تراجع القدرة الشرائية

وتأتي هذه التطورات بينما يواصل لبنان مواجهة أزمة مالية بدأت في عام 2019، أدت إلى انهيار قيمة الليرة اللبنانية وفقدانها معظم قدرتها الشرائية، الأمر الذي انعكس مباشرة على أسعار المواد الأساسية ومستوى معيشة المواطنين.

ومن بين الفئات الأكثر تأثرا بالأزمة، يبرز أصحاب المعاشات التقاعدية الذين تراجعت قدرتهم الشرائية بصورة كبيرة، بعدما باتت رواتبهم عاجزة عن تغطية الاحتياجات الأساسية في ظل موجة الغلاء المستمرة والمتصاعدة في الأسواق اللبنانية.

ويقول المواطن باسم المعوش إنه لجأ إلى تربية الأغنام بعد التقاعد لتأمين مصدر دخل يساعده على مواجهة الظروف المعيشية، موضحا أن الأسعار المرتفعة باتت تدفع كثيرا من الزبائن إلى التراجع عن شراء الأضاحي هذا العام.

ويضيف المعوش أن سعر كيلو لحم الغنم وصل إلى نحو 7.25 دولارات، وهو ما يجعل شراء الأضحية أمرا بالغ الصعوبة بالنسبة لكثير من العائلات، خصوصا مع تراجع الدخل وارتفاع مختلف تكاليف الحياة اليومية بصورة متواصلة.

ويرى المعوش أن نسبة الإقبال على الأضاحي هذا العام أقل من السنوات السابقة، موضحا أن كثيرا من المواطنين باتوا يعتبرون الأضحية عبئا ماليا لا يمكن تحمله، في ظل أوضاع اقتصادية وصفها بأنها “متعبة للغاية”.

وفي مقابل هذا الواقع، تتصاعد المخاوف من أن يفقد عيد الأضحى جزءا من مظاهره الاجتماعية المعتادة في لبنان، بعدما فرضت الحرب والأزمة الاقتصادية معادلات جديدة غيّرت أولويات الناس ودفعتهم للتركيز على تأمين أساسيات الحياة.