حذر وكيل غرفة صناعة الأخشاب والأثاث باتحاد الصناعات المصرية علاء نصر الدين، من أن زيادات أسعار الغاز والكهرباء تدفع الصناعة المصرية إلى “تحديات كبيرة” تهدد قدرتها التنافسية، بينما بدأت قطاعات أخرى من بينها الخدمات الطبية والإضاءة الكهربائية تشهد بالفعل انتقال الصدمة إلى الأسعار النهائية، في وقت تتزايد المخاوف من موجة تضخم جديدة تضرب الاقتصاد المصري مع استمرار اضطرابات الطاقة العالمية والحرب في الشرق الأوسط.

وقال نصر الدين في تصريح لـ”العربي الجديد”، إن المصانع أصبحت محاصرة بين خيارين قاسيين، إما تقليص هوامش الأرباح بما يهدد الاستمرار والتوسع، أو تحميل المستهلك النهائي جزءا من التكلفة، وهو ما يعني ارتفاعا جديدا في أسعار السلع والخدمات.

وأضاف أن تداعيات رفع أسعار الطاقة “لن تقتصر على القطاع الصناعي فقط”، بل ستمتد إلى الاستثمار والأسواق والخدمات، محذرا من أن استمرار التوترات المرتبطة بأسواق النفط ومضيق هرمز قد يدفع الحكومة إلى مراجعات متكررة لأسعار الطاقة، بما “يضاعف الأعباء على المواطنين ويرفع احتمالات استمرار الضغوط التضخمية”.

في سياق متصل، ظهرت آثار صدمات ارتفاع أسعار الكهرباء والمحروقات محليا، على داخل قطاعات الإنتاج. ففي سوق الإضاءة الكهربائية، دفعت الزيادات الأخيرة في تعرفة الكهرباء المستهلكين إلى إعادة حساباتهم الاقتصادية بالكامل، للتوسع في الاستيراد بدلا من الإنتاج المحلي، مع تحول متزايد نحو الأنظمة الأعلى كفاءة والأقل استهلاكا للطاقة.

وقال بهاء العادلي رئيس شعبة الأدوات الكهربائية بغرفة الصناعات الهندسية، إن ضغوط أسعار الكهرباء على أرباح المصنعين بلغت نحو 10% من التكاليف، مشيرا إلى زيادة موازية في قيمة أسعار النحاس والألومنيوم التي تأثرت بالاضطرابات اللوجيستية التي تشهدها المنطقة منذ اندلاع الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران، ملمحا في تصريحات صحافية إلى ارتفاع سقف التصنيع المحلي لمصابيح الإضاءة “الليد” بنسبة تصل إلى 80%، بينما تظل بقية النسبة من المكونات الإلكترونية الدقيقة مرتبطة باستيرادها من الصين بما يجعل خيار الاستيراد أكثر جدوى مقارنة بالإنتاج المحلي الذي يشهد نموا في التكاليف بسبب ارتفاع أسعار الطاقة.

وأشار مصنعون إلى أن الشركات باتت تركز على “التكلفة الإجمالية وليس مجرد سعر الشراء”، بعدما أصبحت الوفورات في استهلاك الكهرباء قادرة على تعويض تكلفة الأنظمة الموفرة للطاقة خلال أقل من ثلاث سنوات، مؤكدين أن هذا التحول يضغط بقوة على السوق الموازية، التي تستحوذ على نحو 60% من سوق الإضاءة في مصر، البالغ حجمه بين 400 و550 مليون دولار.

 ويرى بهاء العادلي، أنه بالرغم من أن صناعة الإضاءة ليست من الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، فإن المصنعين يواجهون ضغوطا إضافية بسبب ارتفاع أسعار النحاس والألومنيوم نتيجة اضطرابات سلاسل الإمداد الإقليمية، إلى جانب الاعتماد شبه الكامل على استيراد المكونات الإلكترونية الدقيقة من الصين. 

وتأتي تعليقات المصنّعين متزامنة مع تقرير أصدره اقتصاديون بالمركز المصري للدراسات الاقتصادية، من” أن ضغوط زيادة أسعار الطاقة، في مصر لم تعد تنعكس فقط في معدلات التضخم الرسمية أو أسعار السلع الأساسية، بل امتدت بصورة حادة إلى الخدمات الأساسية غير الحكومية مثل الرعاية الصحية والدروس الخصوصية، في مؤشر اعتبره الخبراء أكثر تعبيراً عن “التآكل الحقيقي” في القوة الشرائية للأسر المصرية، خاصة من الطبقتين الوسطى والدنيا.

وأوضح خبراء المركز أن معظم تحليلات الاقتصاد الكلي تركز على متوسطات التضخم العامة أو أسعار الغذاء والطاقة، بينما يتم تجاهل قطاعات خدمية حيوية لا يمكن للمواطن الاستغناء عنها، رغم أنها أصبحت تمثل عبئاً مالياً متصاعداً على الأسر، وفي محاولة لقياس هذا الأثر بصورة مباشرة، أجروا دراسة موسعة لرصد انعكاسات زيادة أسعار البنزين والسولار التي أقرتها الحكومة في مارس 2026، والتي بلغ متوسطها نحو 17% في إطار برنامج إصلاح دعم الوقود، على رسوم الكشف الطبي في القطاع الخاص.

اعتمدت الدراسة التي حصل “العربي الجديد” على نسخة منها، على تتبع رسوم الكشف لدى 12 ألفاً و180 طبيباً في العيادات الخاصة على مستوى الجمهورية، خلال فترتين مختلفتين، الأولى في بداية عام 2026، والثانية في نهاية مارس من العام نفسه، بهدف قياس سرعة انتقال أثر صدمة الوقود إلى الخدمات الأساسية. أظهرت النتائج أن نحو 80% من الأطباء أبقوا أسعار الكشف مستقرة نسبياً خلال الأشهر الثلاثة محل الدراسة، بينما قام نحو 20% برفع رسوم الكشف، لكن الزيادات جاءت حادة في بعض التخصصات الحيوية.

وبحسب التقرير، جاءت تخصصات النساء والتوليد، والطب النفسي، وجراحة العظام، على رأس القطاعات الطبية التي سجلت أكبر ارتفاعات في رسوم الكشف، وهي تخصصات وصفها التقرير بأنها “خدمات أساسية غير قابلة للتأجيل أو الاستغناء”، وتعتمد عليها الأسر بصورة متكررة، خصوصاً الفئات الأكثر هشاشة.

وأضاف الخبراء أن الصدمات الاقتصادية الكلية، مثل رفع أسعار الوقود، تنتقل بسرعة إلى هذه الأسواق غير المنظمة، بينما تعجز أدوات الرقابة التقليدية عن احتواء موجات التضخم الناتجة عنها، خاصة أن جزءاً كبيراً من التعاملات في القطاع الخاص يتم دون فواتير أو إيصالات رسمية، مؤكدين أن جهاز حماية المستهلك، رغم وجوده لحماية المواطنين، يعتمد بطبيعته على الشكاوى الفردية، وهو ما يجعله غير قادر هيكلياً على مراقبة أسواق “مجزأة وغير موثقة بشكل كاف”.

تأتي هذه الضغوط بينما تواجه مصر بالفعل فاتورة طاقة متصاعدة، إذ تبلغ تكلفة استيراد الغاز الطبيعي نحو 1.65 مليار دولار شهريا بحسب تصريحات حكومية، بالتزامن مع تراجع الإنتاج المحلي مقارنة بالطلب المتزايد خلال الصيف. تبدو الحكومة عالقة بين معادلتين بالغتي القسوة: فمن جهة تسعى إلى خفض أعباء دعم الطاقة وتقليص الضغوط على الموازنة العامة، ومن جهة أخرى تؤدي زيادات الوقود والكهرباء والغاز إلى إشعال تكلفة الإنتاج والخدمات، بما يهدد بموجات تضخمية جديدة قد تمتد من المصانع إلى موائد الطعام وغرف العلاج وحتى أسعار العقارات والنقل والتعليم.