يبدو أن قدر هذه المنطقة هو الخروج من حرب والدخول في أخرى، فهي تجدد نفسها في آتون صراعات لا تملك قرارها، وكأنه كُتب عليها أن تظل أسيرة دوامة الخوف واللايقين تجاه المستقبل، تقرر الولايات المتحدة وإسرائيل الهجوم على إيران وفق حسابات ترى فيها تهديداً لكليهما بل للعالم أجمع، ولا يزال حجم التحولات التي ستحدثها هذه الحرب في المنطقة مجهولاً، وهو أمر مرتبط بطول أمدها أو قصره وباتساع رقعتها أو انكماشها.

خداع استراتيجي متكرر وصدوع في البنية الأمنية

تعرضت إيران تحت مزاعم الدبلوماسية وجولات التفاوض لخداع استراتيجي مرتين، مرة في حرب الاثني عشر يوماً العام الماضي واليوم، وفي المرتين كانت الخسائر فادحة وكشفت عن صدوع كبيرة في بنية النظام وهياكله الأمنية، ومع ذلك بدا النظام الإيراني رغم الضربات القاسمة قادراً حتى الآن على مهاجمة إسرائيل في العديد من مدنها وشل الحركة بها، لكن اللافت في السلوك العسكري الإيراني أثناء تصديه للهجوم الإسرائيلي الأمريكي هو تشابه الأعداء والأصدقاء عليه.

وجوه الحرب المتعددة وأسئلة مشروعة

للحرب وجه آخر، والسؤال هنا: حرب من هذه؟ وما منطقها ومبررها الأخلاقي؟ وهل لها أهداف غير تلك التي أعلنها ترامب أو نتنياهو عن ضرورة تغيير النظام والقضاء على قدراته العسكرية وتحقيق حرية الشعب الإيراني، وإذا صح وفقاً لكثير من المراقبين أن هذه الحرب هي حرب إسرائيل أكثر مما هي حرب أمريكا، فعلينا إذن إعادة النظر في مبدأ نتنياهو بشأن ما سماه “صناعة شرق أوسط جديد”.

الشرق الأوسط الجديد والتجريف الممنهج للقوى

شرق أوسط ترسم خرائطه إسرائيل وتكون هي مركزه والممسك بأعنته سياسة واقتصاداً وسطوة قوة لا تدانيها قوة، والشرط اللازم لتحقيق هذا الشرق الأوسط الجديد وفق الرؤية الإسرائيلية سيقوم على تجريف القوة في جغرافيا الشرق الأوسط القديم، وتجريف القوة خطة بدأت باكراً بضرب المشروع العراقي عام 1981 ثم بالحرب الأمريكية على العراق وتدميره بعد 22 عاماً من ذلك الهجوم، واستمرت منذ ذلك التاريخ حتى باتت جزءاً من يوميات المنطقة ميدانياً وسياسياً.

ففي فلسطين توشك إسرائيل على تصفية المشروع الوطني الفلسطيني في نسختيه المسالمة والمقاومة بما قد يفضي إلى القضاء تماماً على فكرة الدولة الفلسطينية، وكذلك القضاء على “حزب الله” في لبنان وضرب قدراته العسكرية وتصفية قادته، كما تم ويتم تجريف القوة في سوريا ما بعد بشار حيث دمرت إسرائيل القدرات العسكرية لسوريا.

وعد السفير الأمريكي والبروفة النهائية

أحداث المنطقة ليست وقائع معزولة في جغرافيتها، فالمنطقة العربية لم تفق بعد من وقع الصدمة وهي تسمع لأول مرة السفير الأمريكي في إسرائيل يقول إنه لا بأس من أن تستولي إسرائيل على كامل أراضي الشرق الأوسط لأن هذا ما وعدها به الرب حسب مزاعمه، حديث السفير بدا منسجماً ولائقاً مع تصورات ترامب نفسه لما ينبغي أن تكون عليه مساحة تل أبيب التي تأسف على صغرها، الحرب على إيران بروفة عملية لسياسة “تجريف القوة” وتهيئة المسرح لظهور إسرائيل كالقوة العظمى والأخطر في الشرق الأوسط.