القاهرة – مع اقتراب عيد الأضحى، يشهد سوق اللحوم في مصر زيادة ملحوظة في الطلب على الشراء، سواء من خلال اقتناء اللحوم الجاهزة أو الأضاحي. وفي وقت تتباين فيه الأسعار بين اللحوم البلدية والمستوردة وسط موجة ارتفاعات مرتبطة بعوامل محلية وخارجية، يعد الموسم الأكثر استهلاكا للحوم خلال العام.
ورغم هذه الارتفاعات، يواصل كثير من المواطنين البحث عن بدائل أقل تكلفة، مع استمرار الإقبال على شراء اللحوم استعدادا للعيد، باعتباره موسما استهلاكيا رئيسيا لا يتراجع فيه الطلب رغم الضغوط المعيشية.
اقرأ أيضا
list of 2 itemsend of list
في مصر تتعدد أنواع اللحوم المعروضة في الأسواق. فاللحوم البلدي، وهي الماشية التي تولد وتربى داخل المزارع المصرية، تعد الأعلى سعراً، إذ وصل سعر كيلو الضأن إلى نحو 560 جنيها (نحو 11.6 دولارا)، بينما بلغ سعر كيلو العجالي (صغير البقر أو الجاموس) حوالي 400 جنيه (نحو 8.3 دولارات).
وتأتي في المرتبة الثانية اللحوم المستوردة من السودان وبعض الدول الأفريقية الأخرى، وتختلف أسعارها بحسب بلد المنشأ وتوقيت الاستيراد. وفي الوقت الراهن، تتوافر في الأسواق المصرية أيضا لحوم نيجيرية، ويجري تداولها داخل منافذ وزارة الزراعة بأسعار تتراوح بين 220 و330 جنيها (نحو 4.5 و6.8 دولارات) للكيلو.
أما اللحوم البرازيلية، فقد كانت الأكثر انتشارا خلال مواسم الأعياد نظرا لانخفاض سعرها مقارنة بغيرها من الأنواع، إلا أنها شهدت منذ رمضان الماضي ارتفاعا ملحوظا في الأسعار، تزامن مع اضطرابات إقليمية وتغيرات في حركة الاستيراد وسلاسل الإمداد، إلى جانب ارتفاع سعر الدولار، وهو ما انعكس بزيادة تقارب 100 جنيه (1.8 دولار) في سعر الكيلو الواحد لبعض القطع المستوردة.
اللحوم البرازيلية من أكثر الأنواع تأثرا بارتفاع الأسعار خلال موسم الأعياد في مصر (غيتي)
“نبحث عن لحوم بأسعار مناسبة”
يتكرر هذا السؤال مع اقتراب كل موسم عيد عبر مجموعات التواصل الخاصة بالأحياء والمناطق السكنية: أين نجد لحوما بأسعار مخفضة؟
ولا يختلف هذا السؤال بين المناطق الراقية في القاهرة مثل التجمع الخامس، أو المتوسطة مثل المعادي، أو الشعبية مثل دار السلام والسيدة زينب، فجميع الفئات الاجتماعية تبحث عن بدائل مناسبة، وإن اختلفت القدرة الشرائية من فئة إلى أخرى.
وتبقى الشكوى الأبرز هي أن الأسعار وصلت إلى مستويات باتت مرهقة لكثير من الأسر.
تقول منال عصفور (55 عاما) من منطقة المعادي، إن الأسعار ارتفعت بشكل مبالغ فيه خلال الفترة الأخيرة، مشيرة إلى أن سعر كيلو الضأن وصل إلى نحو 600 جنيه (نحو 12.5 دولارا) في بعض المنافذ، بعدما كان في حدود 400 جنيه (7.4 دولارات) قبل فترة قصيرة.
وتضيف أن اللحوم المستوردة، التي كانت تعتمد عليها بشكل أساسي في إعداد المفروم والقطع المخصص للشواء، أصبحت مرتفعة الثمن. وعند سؤال منال للتجار عن أسباب الارتفاع تأتيها الإجابة المتكررة “المضيق (مضيق هرمز) مقفول ولا يوجد استيراد”.
السبب نفسه يذكره حسام، وهو شاب ثلاثيني يعمل في أحد المجمعات الكبرى لبيع اللحوم المستوردة في العاصمة المصرية، ويقول للجزيرة نت إن الموسم الحالي مختلف عن الأعوام السابقة، إذ لم تبدأ تجهيزات العيد إلا مع دخول شهر ذي الحجة، بينما كانت تبدأ عادة في منتصف ذي القعدة، وذلك بسبب تغيرات الأسعار المستمرة نتيجة التوترات الإقليمية، وتقلبات سعر الدولار.
ويضيف حسام أن الأسعار شهدت زيادات متفاوتة، تتراوح بين 70 جنيها (1.3 دولار) في بعض قطع اللحم المفروم واللحوم البرازيلية، وتصل إلى نحو 100 جنيه (1.8 دولار) في بعض قطع لحم الضأن المستورد الهندي والبرازيلي، بينما تصل بعض قطع لحم العجل السوداني إلى نحو 350 جنيها (نحو 7.3 دولارات) للكيلو.
ويشير إلى أن الأسعار ترتفع بطبيعة الحال خلال موسم العيد، وقد تشهد استقرارا أو تراجعا بعد انتهائه، في حال استقرار سعر الدولار وهدوء الأوضاع الإقليمية.
الأسعار في سوق اللحوم بمصر تختلف بين البلدي والمستورد بحسب بلد المنشأ وتوقيت الاستيراد (شترستوك)
شاهد ايضاً
الزيادة سببها الدولار وليس المضيق
يقول رئيس شعبة القصابين بالغرف التجارية بالقاهرة مصطفى وهبة إن السوق المصرية لا تعاني نقصا في اللحوم، مؤكدا أن جميع الأنواع متوفرة، وبأسعار متفاوتة تناسب شرائح مختلفة من المستهلكين.
ويضيف وهبة في تصريح للجزيرة نت أن المواطن محدود الدخل يمكنه الحصول على لحوم سودانية من منافذ وزارة الزراعة أو منافذ القوات المسلحة بسعر يقارب 220 جنيها (4.1 دولار) للكيلو، بينما تصل أسعار اللحوم البلدية إلى نحو 350 جنيها، في حين أن اللحوم البرازيلية شهدت ارتفاعا طفيفا مرتبطا بتغيرات سعر الدولار، وليس نتيجة أي إغلاق في الممرات البحرية.
ويؤكد رئيس شعبة القصابين أن الارتفاع في أسعار اللحوم لا يختلف عن باقي السلع الغذائية، مثل الدواجن، إذ يرتبط بشكل أساسي بارتفاع أسعار الأعلاف المستوردة، والتي تتأثر مباشرة بسعر الدولار.
وفي المقابل، يشير إلى أن بعض التجار قد يستغلون الظروف الاقتصادية لرفع الأسعار بنسب أعلى من المعتاد، إلا أن ذلك لا يمثل التسعير العام في السوق، لأن هامش الربح يختلف من منطقة إلى أخرى ومن تاجر لآخر.
مصطفى وهبة: ارتفاع أسعار اللحوم في مصر مرتبط أساسا بارتفاع أسعار الأعلاف والتي تستورد بسعر الدولار (الجزيرة)
الجزارون ليسوا السبب
على مدار 25 عاما، يمكن تتبع التحولات في سوق الأضاحي في مصر من خلال تغيرات واضحة في أسعار الماشية واللحوم.
ففي عام 2005، كان سعر كيلو العجول الجاموسي (قائم) لا يتجاوز 14 جنيها (نحو 0.3 دولار)، بينما كان سعر الضأن حوالي 16.5 جنيها (نحو 0.34 دولار) فقط، وهذا يعكس حجم الفارق الكبير مقارنة بالأسعار الحالية.
وتظهر البيانات خلال السنوات الأخيرة علاقة طردية بين ارتفاع سعر الدولار أمام الجنيه وارتفاع أسعار اللحوم بمختلف أنواعها، سواء المحلية أو المستوردة، وهو ما ينعكس أيضا على أسعار الأعلاف ومدخلات الإنتاج داخل السوق المحلية.
وخلال العام الماضي فقط، سجلت أسعار الأضاحي من الجاموس زيادة بنحو 9%، بينما ارتفعت أسعار العجول بنحو 11%، في حين سجل الضأن زيادة تقارب 9% مقارنة بعام 2023.
ويؤكد جابر شلبي، أحد أعضاء غرفة القصابين بالقاهرة، صحة المعطيات السابقة، قائلا إن الارتفاعات الحالية لا يتحملها الجزارون، وإنما تعود بالأساس إلى تراجع قيمة الجنيه أمام الدولار، إضافة إلى التحديات التي تواجه قطاع الثروة الحيوانية.
ويشير شلبي في تصريح للجزيرة نت إلى أن تراجع الاهتمام الحكومي بدعم المربين، وتوقف بعض البرامج الداعمة مثل مشروع البتلو (العجل)، كان له تأثير مباشر على تقليص الإنتاج المحلي من اللحوم.
ويضيف أن استمرار الاعتماد على الاستيراد دون تعزيز الإنتاج المحلي يجعل السوق أكثر عرضة لتقلبات الأسعار، وهو ما يؤثر في النهاية على المستهلك.
ويطرح شلبي مجموعة من الحلول، من بينها تشجيع تربية الماشية، وتقديم حوافز للمربين، وتوفير السلالات بأسعار مناسبة، إلى جانب التوسع في زراعة المحاصيل العلفية، وتحسين الخدمات البيطرية، وتوسيع دور التعاونيات الزراعية.
ويرى عضو غرفة القصابين في القاهرة أن معالجة هذه التحديات قد تساهم في تقليل أزمة أسعار اللحوم، التي تتجدد مع كل موسم عيد، دون حلول جذرية حتى الآن.








