• الفجوة الهيكلية والخسارة المباشرة: أزمة تسعير القمح السوري 2026

تدخل سوريا الزراعية منعطفا حرجا هذا الموسم، حيث تتصادم سياسة التسعير الحكومية مع واقع اقتصادي قاس يجعل من إنتاج الاكتفاء الذاتي حلما معلقا على أكتاف من لا يستطيعون تحمله.الأرقام الرسمية تحتفي بإنتاج قياسي، بينما يقف المزارع السوري في مواجهة خسارة صريحة، محاصرا بين مدخلات بأسعار عالمية ومخرجات محددة بسخاء حكومي. هذه ليست أزمة طبيعة، بل أزمة سياسة اقتصادية فشلت في حماية من ينتج غذاء البلاد من الانهيار المالي المباشر.

الحكومة تبيع البذار وفق الأسعار العالمية الحرة، لكنها تشتري المحصول بسعر منخفض محدد مسبقا. هذا التناقض الهيكلي يضع المزارع في منافسة غير عادلة، حتى قبل احتساب تكاليف الوقود والأسمدة والعمالة

الفجوة السعرية.. حساب اقتصادي لا ينصف

أصدرت وزارة الاقتصاد والصناعة القرار رقم 94، الذي حدد سعر شراء طن القمح القاسي بـ46 ألف ليرة سورية جديدة، أي ما يعادل 330 إلى 340 دولارا أمريكيا. وهو سعر يضع المزارع السوري أمام عجز مباشر عند مقارنته بتكاليف مدخلات الإنتاج التي فرضتها الجهات الحكومية نفسها في بداية الموسم.

المشكلة لا تتعلق بالبذار فقط، بل تشمل الارتفاع الكبير في أسعار الأسمدة الآزوتية والفوسفاتية، إضافة إلى تكاليف المازوت الزراعي التي ارتفعت بأكثر من 400% بعد رفع الدعم. كما ارتفعت أجور العمال الموسميين، وأصبحت عملية نقل المحصول إلى مراكز الحبوب تعتمد على شاحنات تعمل بوقود يباع بأسعار السوق الحرة.

المزارع لا يحسب خسارته من فارق بسيط بين البيع والشراء، بل من انهيار تراكمي يشمل كامل سلسلة الإنتاج.

 

  • المعادلة واضحة: الحكومة تبيع البذار وفق الأسعار العالمية الحرة، لكنها تشتري المحصول بسعر منخفض محدد مسبقا. هذا التناقض الهيكلي يضع المزارع في منافسة غير عادلة، حتى قبل احتساب تكاليف الوقود والكهرباء والأسمدة والعمالة، التي ارتفعت جميعها بفعل رفع الدعم وتدهور سعر الصرف.

بمعنى آخر، تقول السياسة الحالية للمزارع: أنتج وفق أسعار السوق العالمية، لكن بع لنا بسعر محلي منخفض. وإذا خسرت، فتلك مشكلتك.

الإنتاج الوفير والسعر الجائر

  • حقق الموسم الحالي معادلة نادرة: أمطار جيدة، ونسبة تنفيذ مرتفعة، ومحصول وفير. وبحسب بيانات وزارة الزراعة، بلغت المساحة المزروعة 1.2 مليون هكتار من أصل 1.4 مليون هكتار مخطط، بنسبة تنفيذ وصلت إلى 86%، توزعت بين 505 آلاف هكتار مروي و763 ألف هكتار بعلي.

ويتراوح الإنتاج المتوقع بين 2.3 و2.5 مليون طن، تتصدره محافظة الحسكة بإنتاج يصل إلى 1.025 مليون طن وحدها. الحسكة تحمل العبء الأكبر في الأمن الغذائي السوري، لكن سياسة التسعير لم تعكس هذه الأهمية الإستراتيجية.

هذه الأرقام تعني أن سوريا قادرة على تحقيق الاكتفاء الذاتي الكامل لأول مرة منذ سنوات، في ظل حاجة سنوية تقدر بـ2.55 مليون طن، إضافة إلى مخزون متراكم يقترب من مليون طن. لا حاجة للاستيراد، ولا استنزاف للعملة الأجنبية، ولا ضغط إضافيا على الخزينة. المزارع أدى دوره كاملا، لكن النتيجة كانت خسارة مباشرة.

المفارقة المؤلمة أن نجاح المزارع في زيادة الإنتاج أدى إلى اتساع حجم خسارته بسبب انخفاض السعر الرسمي. وكأن النظام الاقتصادي يعاقب الكفاءة بدلا من مكافأتها.

الحسكة ليست مجرد محافظة زراعية، بل تمثل العمود الفقري للأمن الغذائي السوري، إذ تنتج نحو 40% من إجمالي المحصول المتوقع

الفخ العالمي.. غياب تكافؤ البنى الاقتصادية

تستند الحكومة في تبريرها للسعر المحلي إلى أن القمح الروسي والأوكراني يتداول عالميا بين 210 و230 دولارا للطن، وأن العقود الآجلة في شيكاغو تدور حول المستويات نفسها.

لكن هذه المقارنة تتجاهل ثلاثة عوامل بنيوية أساسية:

  • أولا: جودة المنتج والقيمة المضافة

القمح السوري من نوع القمح القاسي عالي البروتين، وهو منتج مرتفع القيمة يستخدم في صناعة المعكرونة والمخبوزات الفاخرة، ويستحق سعرا أعلى بنسبة 30 إلى 40% من القمح اللين منخفض الجودة المنتشر في الأسواق العالمية.

  • ثانيا: الدعم والبنية التحتية

المزارع الروسي أو الأوكراني يستفيد من مكننة ضخمة، ووقود مدعوم، وأسمدة منخفضة التكلفة، وتأمين حكومي ضد الكوارث والخسائر. أما المزارع السوري فيتحمل وحده تكاليف الكهرباء والديزل والأسمدة والنقل، من دون أي شبكة حماية حقيقية.

  • ثالثا: التناقض في السياسة السعرية

الحكومة تعتمد الأسعار العالمية عندما تبيع المدخلات، لكنها تتخلى عنها عندما تشتري المحصول. وهذا يعني تحميل المزارع كامل كلفة السوق الحرة، مع منعه من الاستفادة من أسعارها عند البيع.

الأثر الإقليمي.. محافظات تحت الضغط

الحسكة ليست مجرد محافظة زراعية، بل تمثل العمود الفقري للأمن الغذائي السوري، إذ تنتج نحو 40% من إجمالي المحصول المتوقع.

لكن مزارعي الحسكة يواجهون تكاليف مضاعفة بسبب أزمة المياه، واعتمادهم الكبير على الآبار والديزل. والخسارة هنا ليست نظرية، بل ملموسة ومباشرة.

الأمر نفسه ينطبق على حماة والرقة ودير الزور، حيث تمثل الزراعة المصدر الرئيسي للدخل. والسياسة الحالية تهدد الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي لهذه المناطق، وتعيد الاستثمار الزراعي سنوات إلى الوراء.

إن السياسة السعرية الحالية تعكس غياب رؤية طويلة الأمد. الفلاح ليس عامل إنتاج رخيصا يمكن استنزافه، بل هو ضمانة السيادة الغذائية الوطنية

صوامع جاهزة.. وحقول مهددة بالهجرة

تمتلك سوريا بنية تخزين واسعة تشمل 37 صومعة و98 صويمعة و14 مستودعا و27 مركز عراء، إضافة إلى منشآت استراتيجية في الحسكة وتل حميس وصباح الخير وقلعة المضيق بطاقة تخزينية كبيرة.

لكن هذه المنشآت قد تتحول إلى هياكل فارغة في المواسم المقبلة إذا استمرت الخسائر الحالية.

المزارع الذي يخسر عاما بعد عام لن يواصل الزراعة إلى ما لا نهاية. كثيرون سيتجهون إلى محاصيل أكثر ربحية، أو يتركون الأرض بورا، أو يهاجرون إلى المدن بحثا عن مصدر دخل آخر.

وهكذا يتحول من حمى الأمن الغذائي إلى ضحية للتهميش الاقتصادي.

الحل.. استعادة التوازن قبل فوات الأوان

إن السياسة السعرية الحالية تعكس غياب رؤية طويلة الأمد. الفلاح ليس عامل إنتاج رخيصا يمكن استنزافه، بل هو ضمانة السيادة الغذائية الوطنية.

وإذا كانت الدولة جادة في حماية الاكتفاء الذاتي وتحقيق الأمن الغذائي، فعليها أن تتحرك فورا:

1- صرف حوافز إضافية ومكافآت إنتاجية تعوض الفارق بين سعر البذار وسعر الشراء.2- تسييل قيمة المحصول بسرعة ومن دون تأخير لمنع الوقوع في فخ الديون.3- إعادة ضبط السياسة السعرية للمواسم المقبلة بصيغة عادلة ومتوازنة.4- توفير دعم بنيوي حقيقي للوقود والكهرباء والأسمدة، أسوة بما يحصل عليه المنتجون عالميا.

دعم المزارع ليس عطفا حكوميا ولا رفاهية، بل استثمار استراتيجي في الأمن الغذائي والاستقرار الريفي والعدالة الاجتماعية. بدونه، ستصبح الأرض بورا، وستبقى الصوامع فارغة، وسيعود الخبز مرة أخرى رهينة الخارج والأسعار العالمية.

السؤال الحقيقي ليس: هل نستطيع تحمل الدعم؟ بل: هل نستطيع تحمل الخسارة؟

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.