محمد فرغل

الفـواتيـر المضاعفـــة تـربــك الأسـر والمعاناة تــمتــد للتموين 

غمـوض المحاسـبة وتعقيــدات البيـروقـراطية تعـــوق التـقنين
 

تحول ملف العدادات الكودية خلال الشهور الأخيرة إلى واحد من أكثر الملفات سخونة على طاولة الحكومة والبرلمان، بعدما أصبحت هذه العدادات نقطة ضغط رئيسية لدفع أصحاب العقارات المخالفة إلى تقنين أوضاعهم وإنهاء إجراءات التصالح، فى وقت تسبب فيه توحيد سعر المحاسبة وإلغاء الدعم عن مستخدمى العدادات الكودية فى زيادة الإقبال على إنهاء الإجراءات القانونية، وسط زحام متزايد على شركات الكهرباء والمراكز التكنولوجية.
ومع اتجاه الدولة لتشديد التعامل مع مخالفات البناء، باتت العدادات الكودية بمثابة «جرس إنذار» للمخالفين، خاصة بعد تطبيق نظام المحاسبة بأعلى شريحة استهلاك  بقيمة ٢ جنيه و٧٤ قرشا دون أى دعم، وهو ما دفع آلاف المواطنين إلى التحرك سريعًا لإنهاء ملف التصالح وتحويل العدادات من مؤقتة إلى قانونية ودائمة. ومع الوضع فى الاعتبار أن هناك فئة لا ذنب لها «مجنى عليهم» دفعوا فاتورة الأدوار المخالفة رغم أن تعاقداتهم فى نفس المبنى قانونية وباتوا يحاسبون بنفس تسعيرة المخالفين!!
ودفعت التغيرات الأخيرة ملف «التصالح فى مخالفات البناء» إلى صدارة اهتمامات ملايين المواطنين، وذلك تزامنًا مع تحركات وزارة التنمية المحلية والبيئة لتقديم تيسيرات إضافية ومنح فرص جديدة لتقنين الأوضاع القانونية للعقارات، سواء من خلال مد فترات التقديم أو تخفيف الاشتراطات وتقليل الأعباء المالية الميقول (ح. أحمد) من الجيزة إنه توجه إلى شركة الكهرباء معتقدًا أن إجراءات العودة إلى نظام الشرائح ستكون بسيطة، خاصة أن العقار الذى يقيم فيه مرخص منذ سنوات طويلة، إلا أنه فوجئ بمطالبات مالية ورسوم جديدة لم يكن يتوقعها. وأضاف أن الموظفين أبلغوه بضرورة إعادة بعض إجراءات المعاينة وسداد مبالغ إضافية مرتبطة بمساحة العقار واستكمال الأوراق المطلوبة. وأوضح أن ما أثار استياءه ليس فقط قيمة الرسوم، وإنما عدم وجود معلومات واضحة ومعلنة مسبقًا حول المطلوب من المواطنين الراغبين فى تسوية أوضاع عداداتهم.
أخطاء ورقية ومخالفات الغير
وأوضح (م. السيد) من حدائق الأهرام أنه يمتلك مستندات التصالح وجميع الأوراق الرسمية التى تثبت موقف العقار، لكنه اصطدم بخطأ بسيط فى أحد الأسماء الواردة بالمستندات. وأضاف أن الموظف المختص رفض استكمال الإجراءات رغم تطابق أرقام القطع والعناوين والمعاينات الرسمية. وشدد على أن المواطنين يدفعون ثمن أخطاء إدارية لا يتحملون مسئوليتها، مطالبًا بوجود آلية سريعة لتصحيح البيانات دون تعطيل مصالح المواطنين لأشهر طويلة.
فروق الأسعار
وقال (ع. محمود) من شبرا إنه فوجئ عند شحن العداد بظهور خصومات ومديونيات لم يكن يعلم مصدرها. وأضاف أن الرصيد الذى كان يكفى أسرته لفترة معينة أصبح ينفد خلال مدة أقصر بكثير رغم عدم زيادة الاستهلاك. وأشار إلى أن المواطنين يتحدثون عن فروق أسعار ومديونيات تظهر فجأة بعد عمليات الشحن، دون شرح كافٍ لطبيعة هذه المبالغ أو أسباب احتسابها.
وأكد (ر. حسن) من مدينة نصر أن أكثر ما يزعجه هو اضطراره لشحن العداد بوتيرة أكبر من السابق. وأضاف أن الأسرة اعتادت على نمط استهلاك ثابت، لكن الرصيد أصبح ينفد بسرعة ملحوظة خلال الأشهر الأخيرة. ولفت إلى أن كثيرًا من المواطنين تقدموا بشكاوى تتعلق بسرعة استهلاك الرصيد ووجود خصومات متكررة عند الشحن دون حصولهم على تفسيرات واضحة من الجهات المختصة.
تفاوت غريب
وفى فيصل، قال (ك. إبراهيم) إنه يلاحظ وجود تفاوت كبير بين حالات تبدو متشابهة. وأضاف أن بعض الجيران ما زالوا يخضعون لنظام الشرائح التقليدى بينما يتم احتساب استهلاكه وفق السعر الموحد رغم تشابه أوضاع العقارات. وأوضح أن غياب معايير واضحة ومعلنة أدى إلى حالة من الارتباك، حيث لا يعرف المواطنون الأسباب الحقيقية وراء اختلاف طريقة المحاسبة من حالة إلى أخرى. وقد دفعت هذه الشكاوى بعض النواب إلى المطالبة بمراجعة آليات التطبيق لضمان العدالة بين المواطنين.
عدادات مرخصة
وأشار (ن. عبدالعزيز) من إمبابة إلى أن العقار الذى يقيم فيه حاصل على التراخيص اللازمة، ومع ذلك فوجئ بتركيب عداد كودى بدلاً من عداد قانونى يحمل اسم المشترك. وأضاف أنه تقدم بعدة استفسارات لمعرفة سبب تصنيف العقار ضمن هذه الفئة لكنه لم يحصل على رد حاسم. ومن منطقة المرج، قال (ف. خالد) إنه تقدم بطلب تركيب عداد منذ فترة طويلة وأنهى إجراءات المعاينة المطلوبة، لكنه ما زال ينتظر استكمال التركيب. وأضاف أن التأخير يجبره على الاعتماد على حلول مؤقتة ومكلفة، بينما تتكرر زياراته إلى الشركة للاستفسار عن موعد التنفيذ دون الحصول على جدول زمنى واضح. وأوضح أن طول فترة الانتظار أصبح مصدر قلق لكثير من الأسر التى ترغب فى تقنين أوضاعها بشكل رسمي. أما (ج. سامي) من الوراق فأكد أن أسرته فوجئت بإيقاف البطاقة التموينية قبل أن تكتشف وجود ملاحظات مرتبطة بملف الكهرباء. وأضاف أن رحلة استعادة الدعم تتطلب استخراج مستندات ومراجعة أكثر من جهة حكومية، وهو ما يمثل عبئًا إضافيًا على الأسر محدودة الدخل. وأوضح أن المشكلة لا تتعلق فقط بالدعم المادى، وإنما أيضًا بالوقت والجهد المطلوبين لإنهاء الإجراءات البيروقراطية.
مراجعات مستمرة
وقال (ي. محمود) من أكتوبر إنه تلقى إخطارًا بضرورة مراجعة بيانات العقار والعداد ضمن حملات الفحص التى تشهدها بعض المناطق. وأضاف أنه لا يعترض على تحديث البيانات أو مراجعتها، لكنه يطالب بأن تكون الإجراءات واضحة وسريعة حتى لا يتحول الأمر إلى مصدر قلق دائم للمواطنين. وأوضح أن كثيرًا من السكان يخشون اكتشاف مشكلات أو ملاحظات إدارية قد تؤدى إلى تأخير المعاملات أو تحميلهم أعباء مالية إضافية رغم التزامهم بالإجراءات القانونية.
استيلاء على التيار!
ومع اتساع نطاق الشكاوى، برزت تساؤلات قانونية حول الأساس التشريعى لاستمرار تطبيق التسعيرة الموحدة على أصحاب العدادات الكودية بعد تركيب العداد وتقنين العلاقة مع شركة الكهرباء، وهو ما يراه عدد من القانونيين نقطة الخلاف الرئيسية فى الأزمة.
وفى السياق ذاته، قال محمد عرفات، المحامى بالنقض والإدارية العليا، إن جوهر الجدل القانونى الدائر حول العدادات الكودية لا يتعلق بسعر الكهرباء فى حد ذاته، وإنما يتعلق بالتكييف القانونى للمشترك بعد تركيب العداد، وما إذا كان لا يزال يُعامل باعتباره فى حالة «استيلاء على التيار الكهربائي» أم أصبح مستهلكًا قانونيًا يخضع للقواعد العامة للمحاسبة.
وأوضح أن المادة (10) من قانون التصالح على بعض مخالفات البناء تمثل النقطة المحورية فى الأزمة الحالية، إذ تنص على استمرار التعامل مع العقار محل المخالفة وفق ضوابط معينة لحين الانتهاء من إجراءات التصالح بشكل نهائي. إلا أن المشكلة، بحسب عرفات، تكمن فى التوسع فى تفسير هذه المادة بما يتجاوز الغرض الذى وضعت من أجله.
فلسفة القانون
وأشار إلى أن فلسفة قانون الكهرباء تفرق بين مرحلتين مختلفتين؛ الأولى هى مرحلة الاستيلاء أو الحصول على التيار دون سند قانونى، وهنا يجيز القانون المحاسبة بسعر التكلفة وتوقيع الجزاءات والغرامات المقررة باعتبار أن هناك اعتداءً على المال العام أو استهلاكًا خارج المنظومة الرسمية. أما المرحلة الثانية فتبدأ بمجرد تدخل الدولة وتركيب عداد رسمى للمشترك وتسجيله داخل قواعد البيانات وسداد قيمة الاستهلاك بصورة منتظمة، وهنا تنتفى حالة الاستيلاء قانونًا لأن العلاقة أصبحت تعاقدية ومعلومة للطرفين.وأضاف أن استمرار تحميل المشترك تكلفة أعلى استنادًا إلى واقعة استيلاء سابقة يثير تساؤلًا قانونيًا مهمًا؛ وهو ما إذا كانت العقوبة أو الجزاء يمكن أن يمتد إلى المستقبل بعد زوال السبب الذى نشأ من أجله. وشدد على أن المبادئ القانونية المستقرة تقضى بأن الجزاءات الاستثنائية ترتبط بوجود المخالفة ذاتها، فإذا زالت المخالفة وتم تقنين الوضع فلا يجوز استمرار آثارها إلى ما لا نهاية إلا بنص تشريعى صريح لا يحتمل التأويل.
من جانبه، قال محمد عبدالباسط، المحامى بالاستئناف، إن الإشكالية الأخرى تتمثل فى الخلط بين المخالفة الإنشائية الخاصة بالعقار وبين العلاقة الاستهلاكية الخاصة بالكهرباء.. وأوضح أن التصالح على مخالفات البناء يخضع لقانون مستقل يحدد الرسوم والاشتراطات والجزاءات المتعلقة بالمخالفة العمرانية، بينما تخضع الكهرباء لقانون آخر ينظم إنتاج الطاقة وتوزيعها وبيعها للمستهلكين.
وأضاف أن بعض المواطنين يرون أن ما يحدث حاليًا يمثل نوعًا من الازدواج فى الأعباء المالية، لأن صاحب العقار المخالف يدفع مقابل التصالح ورسوم الفحص والمعاينات، ثم يتحمل فى الوقت ذاته تكلفة أعلى للكهرباء بسبب الوضع القانونى للعقار نفسه. وأشار إلى أن هذه الإشكالية تحتاج إلى حسم تشريعى أو تنظيمى واضح يحدد بدقة متى تنتهى الآثار المترتبة على المخالفة ومتى يعود المواطن إلى المعاملة العادية باعتباره مستهلكًا قانونيًا.
وأوضح عبدالباسط أن مفهوم «الاستيلاء» فى التشريعات القانونية مفهوم محدد يرتبط بالحصول على منفعة أو خدمة دون موافقة الجهة المالكة أو خارج الأطر القانونية المنظمة لها. أما فى حالة العداد الكودى فإن الجهة الإدارية نفسها هى التى قامت بالمعاينة والتركيب والتكويد والتحصيل الشهرى أو المسبق لقيمة الاستهلاك، وهو ما يخلق وضعًا قانونيًا مختلفًا عن حالات السرقة التقليدية للكهرباء.
وأضاف أن الإبقاء على معاملة جميع أصحاب العدادات الكودية باعتبارهم فى مركز قانونى استثنائي، رغم اختلاف أوضاعهم ووجود حالات قطعت شوطًا كبيرًا فى إجراءات التصالح أو تقنين الأوضاع، يثير تساؤلات تتعلق بمبدأ المساواة وتناسب الأعباء المالية مع المراكز القانونية المختلفة للمواطنين.
وأكد أن القضية فى جوهرها ليست خلافًا حول بضعة قروش فى سعر الكيلووات ساعة، وإنما نقاش قانونى أوسع حول حدود تطبيق المادة (10)، ومدى استمرار وصف «الاستيلاء» بعد تركيب العداد الرسمى، وما إذا كان تقنين الوضع يجب أن يقود تدريجيًا إلى إدماج المشترك داخل المنظومة العادية للكهرباء أم الإبقاء عليه فى وضع استثنائى مفتوح المدة، وهى أسئلة أصبحت مطروحة بقوة مع اتساع نطاق تطبيق التسعيرة الموحدة على ملايين العدادات الكودية فى مختلف المحافظات.رتبطة بالملف.
ولم تقتصر تداعيات قرار تطبيق التسعيرة الموحدة على نحو 3.6 مليون عداد كودى على ارتفاع تكلفة استهلاك الكهرباء فقط، بل امتدت إلى ملفات أخرى مرتبطة بالتصالح على مخالفات البناء والدعم التمويني، وسط شكاوى متزايدة من مواطنين يؤكدون صعوبة إنهاء إجراءات التقنين واستمرار محاسبتهم وفق السعر الموحد رغم اختلاف أوضاعهم القانونية.