نقاش حول إمكانية تخفيض قيمة الدينار العراقي… تعرف على السعر المقترح
كشفت مصادر عراقية مطلعة لـ”العربي الجديد” عن نقاشات حكومية تتم حالياً بين جهات مالية واقتصادية مختصة تتعلق بإمكانية خفض قيمة الدينار العراقي أمام الدولار، في إطار مساع تهدف إلى معالجة أزمة السيولة التي تواجهها الدولة وتأمين التمويل اللازم لصرف رواتب الموظفين والمتقاعدين ومستفيدي الرعاية الاجتماعية، فضلاً عن تغطية الالتزامات المالية الأخرى.وتأتي هذه التحركات في ظل أزمة مالية متفاقمة يواجهها العراق نتيجة التراجع الحاد في الإيرادات النفطية، بعد تعطل جزء كبير من الصادرات عبر الخليج بسبب استمرار إغلاق مضيق هرمز منذ نحو ثلاثة أشهر، ما انعكس بشكل مباشر على تدفقات النقد الأجنبي وإيرادات الخزينة العامة.ويعتمد العراق بصورة رئيسية على عائدات النفط التي تشكل أكثر من 90% من إيرادات الموازنة العامة، ما جعل أي اضطراب في عمليات التصدير أو انخفاض في العائدات النفطية ينعكس سريعاً على قدرة الدولة في تمويل التزاماتها المالية، وفي مقدمتها رواتب الموظفين والمتقاعدين ومستحقات الرعاية الاجتماعية والإنفاق التشغيلي للمؤسسات الحكومية.وأضافت المصادر، التي رفضت ذكر اسمها، أن “أحد المقترحات المطروحة يتمثل برفع السعر الرسمي للدولار إلى نحو 1650 ديناراً بدلاً من 1300 دينار المعتمد حالياً، في محاولة لتوفير موارد دينارية إضافية للخزينة العامة عبر عائدات النفط، وهذا القرار ما زال قيد المناقشة.
وبينت أن “هناك مقترحات أخرى تناقش إمكانية الوصول إلى مستويات أعلى في خفض قيمة الدينار أمام الدولار في حال تفاقمت الضغوط المالية، بشكل أكبر وأخطر، وهذا الأمر سيمنح الحكومة إيرادات دينارية أكبر عند تحويل عائدات النفط المقومة بالدولار إلى العملة المحلية، الأمر الذي قد يسهم في توفير السيولة اللازمة لتغطية الالتزامات المالية الملحة خلال المرحلة المقبلة”.إلا أن هذه الطروحات تثير في المقابل مخاوف كبيرة لدى الأوساط الاقتصادية والشعبية، خاصة أن الاقتصاد العراقي يعتمد بصورة شبه كاملة على الاستيراد لتأمين معظم احتياجات السوق المحلية من السلع والمواد الغذائية والأدوية والمستلزمات المختلفة. وبالتالي فإن أي خفض لقيمة الدينار سيؤدي بصورة مباشرة إلى ارتفاع تكاليف الاستيراد، ما ينعكس على أسعار السلع والخدمات ويؤدي إلى موجة تضخم جديدة قد تضعف القدرة الشرائية للمواطنين وتزيد من الأعباء المعيشية على الفئات محدودة الدخل.ويقول المختص في الشأن المالي والاقتصادي نوار السعدي، لـ”العربي الجديد”، إن “رفع سعر صرف الدولار مقابل الدينار ينبغي ألا يكون الخيار الأول لمواجهة أي ضغوط مالية قد يمر بها العراق، فصحيح أن تخفيض قيمة العملة قد يؤدي نظرياً إلى زيادة الإيرادات الحكومية المقومة بالدينار نتيجة تحويل عائدات النفط الدولارية، لكنه في المقابل يفرض كلفة اجتماعية واقتصادية مرتفعة جداً، تتمثل بارتفاع أسعار السلع المستوردة وتآكل القوة الشرائية للمواطنين وزيادة معدلات التضخم”.
شاهد ايضاً
وأضاف السعدي: “لقد خاض العراق هذه التجربة في عام 2020 عندما تم تخفيض قيمة الدينار، وأسهمت الخطوة آنذاك في تحسين الإيرادات الحكومية بالدينار، لكنها انعكست بشكل مباشر على مستويات المعيشة وأثارت جدلاً واسعاً بشأن آثارها على الشرائح محدودة الدخل”.وبحسب الخبير الاقتصادي فإن “العراق اليوم لا يواجه أزمة مالية من النوع الذي يفرض اللجوء الفوري إلى تعديل سعر الصرف، بل يواجه تحدياً هيكلياً يتمثل في الاعتماد المفرط على النفط لتمويل الموازنة العامة، وبالتالي فإن الحلول المستدامة تكمن في تنويع مصادر الإيرادات، وتفعيل القطاعات الإنتاجية، وتعزيز الجباية غير النفطية، وضبط الإنفاق العام، وليس في تحميل المواطنين كلفة الإصلاح عبر تخفيض قيمة العملة الوطنية”.وأكد السعدي أن “استقرار سعر الصرف يعد عاملاً مهماً في تعزيز الثقة بالاقتصاد وجذب الاستثمار، وأي تغيير في هذا الملف يجب أن يكون جزءاً من برنامج إصلاح اقتصادي شامل ومدروس، وليس مجرد أداة مالية قصيرة الأجل لسد العجز أو مواجهة ضغوط مؤقتة”.بالمقابل قال المختص في الشؤون الاقتصادية حيدر الشيخ، لـ”العربي الجديد”، إن “هناك أزمة مالية وركوداً اقتصادياً بسبب انخفاض صادرات النفط والإيرادات المالية، إذ إن العراق يعتمد بشكل أساسي على صادراته النفطية في تعظيم إيراداته”.ووفق الشيخ فإن “الحكومة السابقة برئاسة محمد شياع السوداني كانت قد درست مقترح تغيير سعر صرف الدينار لمواجهة الأزمة المالية بعد إغلاق مضيق هرمز وتوقف الملاحة البحرية”. وأكد أن “هناك توجهاً حكومياً لإعداد موازنة البرامج والتي تعمل على تعظيم الإيرادات وخفض النفقات لمواجهة الأزمة المالية والاقتصادية”.وأضاف أن “خفض قيمة الدينار لمواجهة الأزمة المالية قد تكون خطوة بالاتجاه الصحيح، وستوفر أموال مالية لخزينة الدولة، كما فعلت الحكومة السابقة برئاسة مصطفى الكاظمي عندما غيرت سعر صرف ووفرت الأموال وأمّنت صرف رواتب الموظفين”.








