يرى خبراء اقتصاديون أن الطروحات والاستثمارات العالمية الضخمة أصبحت أحد العوامل المؤثرة في حركة الذهب، مع اتجاه بعض المحافظ الاستثمارية إلى تسييل جزء من حيازاتها لتوفير السيولة اللازمة للمشاركة في الاكتتابات الكبرى، خاصة في قطاع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
وأوضحوا، خلال حديثهم لـ”مصراوي”، أن تأثير هذه الطروحات يظل مؤقتًا، إذ لا تزال العوامل التقليدية، مثل أسعار الفائدة الأمريكية والتضخم وقوة الدولار والتوترات الجيوسياسية، هي المحرك الرئيسي لاتجاهات المعدن الأصفر على المدى المتوسط والطويل.
وشهد الذهب خلال عام 2026 موجة صعود قوية امتدادًا لمكاسبه المسجلة في 2025، مدعومًا بتراجع مؤشر الدولار، وزيادة مشتريات البنوك المركزية، وتصاعد التوترات الجيوسياسية، ليسجل مستويات قياسية اقتربت من 5600 دولار للأونصة.
ومع تصاعد الحرب الإيرانية والهجمات العسكرية المتبادلة في الشرق الأوسط، إلى جانب ارتفاع أسعار النفط وزيادة الطلب على الدولار، تعرض الذهب لضغوط دفعت أسعاره للتراجع إلى أقل من 4100 دولارات للأونصة خلال الأسبوع الماضي، قبل أن يعاود الارتفاع مع بداية الأسبوع الجاري بنحو 3% عقب إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب مع إيران، بالتزامن مع تأكيدات من الجانب الإيراني بشأن الاتفاق.
اقرأ أيضًا: الذهب يقفز 3% عالميا.. وخبير اقتصادي: الأوقية قد تتجاوز 5000 دولار بشرط واحد
جاءت التحركات الأخيرة في الأسواق بالتزامن مع الطرح العام الأولي لشركة سبيس إكس (SpaceX)، والذي يعد الأكبر في تاريخ أسواق المال العالمية، بعدما نجحت الشركة في جمع نحو 75 مليار دولار من بيع أكثر من 555 مليون سهم بسعر 135 دولارًا للسهم، متجاوزة بذلك الرقم القياسي السابق الذي سجلته أرامكو السعودية في طرحها عام 2019.
وشهد السهم أداءً قويًا منذ بدء التداول، إذ ارتفع بنحو 20% في أولى جلساته قبل أن يواصل مكاسبه خلال الأيام التالية، لترتفع القيمة السوقية للشركة إلى أكثر من 2.2 تريليون دولار، في واحدة من أكبر عمليات جذب السيولة بالأسواق العالمية، وهو ما دفع العديد من الصناديق والمحافظ الاستثمارية إلى إعادة توزيع استثماراتها وتوفير سيولة للمشاركة في الطرح، وسط تقديرات بأن هذه التحركات انعكست على أداء عدد من الأصول، وفي مقدمتها الذهب.
الطروحات العالمية تدفع المستثمرين لتسييل الذهب مؤقتًا
قال الدكتور وائل النحاس، الخبير الاقتصادي، إن الطروحات العالمية الكبرى، مثل طرح شركة “سبيس إكس” (SpaceX)، أصبحت من العوامل المؤثرة في حركة أسعار الذهب عالميًا، نظرًا لما تستقطبه من سيولة ضخمة من الأسواق المالية.
وأوضح النحاس أن التراجع الحاد الذي شهده الذهب خلال الفترة الأخيرة لا يرتبط فقط ببيانات الاقتصاد الأمريكي أو مؤشرات التوظيف كما يعتقد البعض، وإنما جاء أيضًا نتيجة عمليات تسييل واسعة للأصول استعدادًا للمشاركة في اكتتابات عالمية ضخمة، وفي مقدمتها طرح شركة “سبيس إكس”.
وأضاف أن المحافظ الاستثمارية وصناديق التحوط تلجأ في مثل هذه الحالات إلى بيع جزء من استثماراتها في الذهب والعملات المشفرة والأسهم لتوفير السيولة اللازمة، سواء للمشاركة في الطروحات الجديدة أو لتغطية متطلبات التمويل والهامش الائتماني، مشيرًا إلى أن حجم هذه التسييلات قد يصل إلى مئات المليارات من الدولارات على مستوى الأسواق العالمية.
وأشار إلى أن الذهب كان من أكثر الأصول تحقيقًا للمكاسب خلال الفترة الماضية، وهو ما جعله الخيار الأسهل أمام المؤسسات الاستثمارية لجني الأرباح وتوفير السيولة، مؤكدًا أن هذه التحركات لا تعكس فقدان الثقة في المعدن النفيس بقدر ما تعكس إعادة توزيع المحافظ الاستثمارية للاستفادة من فرص استثمارية جديدة.
شاهد ايضاً
وأكد النحاس أن ما يحدث في سوق الذهب يمثل “تخارجًا مؤقتًا لتوفير السيولة وليس هروبًا من الذهب”، موضحًا أن المستثمرين يعيدون توجيه جزء من أموالهم نحو شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي التي تحقق معدلات نمو مرتفعة، وعلى رأسها الشركات المرتبطة برجل الأعمال إيلون ماسك.
وأضاف أن قطاع الذكاء الاصطناعي أصبح بالنسبة للمستثمرين “البترول والذهب الجديد”، في ظل التوقعات بتحقيقه عوائد مرتفعة خلال السنوات المقبلة، وهو ما يدفع بعض الصناديق إلى التحول مؤقتًا من الذهب إلى هذه الاستثمارات.
ورغم الضغوط الحالية، شدد النحاس على أن الاتجاه طويل الأجل للذهب لا يزال إيجابيًا، معتبرًا أن التراجعات الحالية تمثل فرصة للشراء التدريجي وليس للبيع، خاصة مع استمرار البنوك المركزية العالمية في تعزيز احتياطياتها من المعدن النفيس.
واستشهد في هذا السياق بمواصلة البنك المركزي الصيني زيادة مشترياته من الذهب للشهر التاسع عشر على التوالي، إلى جانب استمرار عدد من البنوك المركزية، ومنها البنك المركزي المصري، في دعم احتياطياتها من المعدن الأصفر، وهو ما يعكس استمرار الثقة في الذهب كملاذ آمن وأداة رئيسية لحفظ القيمة على المدى الطويل.
اقرأ أيضًا: الذهب يقفز 2.76% عالميًا مع بداية الأسبوع بدعم اتفاق إنهاء الحرب بين إيران وأمريكا
الذهب لا يزال رهينة الفائدة والدولار والتضخم
من جانبه، قال محمود نجلة، المدير التنفيذي لأسواق النقد والدخل الثابت بشركة الأهلي للاستثمارات المالية، إن الإعلان عن صفقات استثمارية أو طروحات كبرى على المستوى العالمي قد يؤثر على حركة أسعار الذهب من خلال تحسين شهية المستثمرين تجاه الأصول الأعلى مخاطرة، مثل الأسهم والاستثمارات المباشرة، وهو ما قد يقلل جزئيًا من الإقبال على الذهب باعتباره ملاذًا آمنًا.
وأوضح أن هذه التطورات قد تحد من وتيرة صعود الذهب أو تدفعه إلى التحرك داخل نطاقات أكثر هدوءًا، خاصة إذا تزامنت مع تحسن مؤشرات الاقتصاد العالمي واستقرار الأسواق المالية.
وأشار إلى أن تأثير الطروحات الكبرى يظل نسبيًا، إذ يعتمد على حجم الاستثمارات وطبيعة الأسواق التي تتجه إليها السيولة، مؤكدًا أن الذهب يظل في النهاية أكثر ارتباطًا بحركة أسعار الفائدة الأمريكية، ومستويات التضخم، وقوة الدولار، والتوترات الجيوسياسية العالمية.
وأضاف نجلة أن أي تحسن في ثقة المستثمرين بالأسواق المالية قد يسحب جزءًا من السيولة الموجهة إلى الذهب، لكن استمرار الضغوط الاقتصادية أو تجدد المخاطر العالمية قد يعيد المعدن النفيس إلى صدارة اهتمامات المستثمرين باعتباره أحد أهم أدوات التحوط وحفظ القيمة.
اقرأ أيضًا: هل تكون نهاية الحرب الإيرانية كلمة السر لارتفاع الذهب مجددًا؟ خبراء يوضحون








