في مفارقة لافتة، تجد أوروبا نفسها محاصرة بين جبهتين ساخنتين في آن واحد، من أزمة جيوسياسية تهدد أمن إمدادات الطاقة قادمة من الشرق الأوسط، وموجة حر قاسية تضرب القارة وتزيد الطلب على الكهرباء، هذا المزيج المتفجر يهدد برفع فواتير الطاقة إلى مستويات قياسية، في وقت لا تزال فيه تداعيات أزمة 2022 حاضرة في أذهان الحكومات والمستهلكين.
أزمة هرمز تعيد المخاوف إلى الواجهة
عادت أسعار الغاز الطبيعي الأوروبية إلى الارتفاع خلال الأيام الماضية، مع تصاعد التوترات في منطقة مضيق هرمز، ذلك الممر المائي الاستراتيجي الذي يمر عبره نحو 30% من إمدادات النفط الخام المنقولة بحراً عالمياً، ووفقاً لتقارير أوروبية، ارتفعت أسعار الغاز الأوروبية بنحو 31% مقارنة بمستوياتها قبل اندلاع التوترات الأخيرة، مما زاد فاتورة الغاز الإجمالية لدول الاتحاد الأوروبي بشكل ملحوظ خلال الأشهر الماضية.
ورغم نجاح أوروبا في تنويع مصادر إمدادها منذ أزمة الطاقة التي أعقبت الحرب الروسية الأوكرانية، فإن الأزمة الحالية كشفت استمرار هشاشة السوق الأوروبية أمام الصدمات الخارجية. فالقارة أصبحت تعتمد بدرجة أكبر على الغاز الطبيعي المسال القادم من الأسواق العالمية، مما يجعلها أكثر حساسية لأي اضطراب في طرق الشحن الدولية.
وفي بروكسل، يواصل المسؤولون الأوروبيون مراقبة تطورات الشرق الأوسط عن كثب. فقد حذرت دراسات ومؤسسات أوروبية من أن استمرار الأزمة قد يدفع أسعار الغاز إلى مستويات مرتفعة خلال النصف الثاني من العام، مع آثار مباشرة على التضخم والنمو الاقتصادي. وأي إغلاق أو تعطيل طويل الأمد لمضيق هرمز قد ينعكس سريعاً على أسعار النفط والغاز، مما يهدد بتآكل مكاسب التعافي الاقتصادي التي تحققت بصعوبة.
موجات الحر تضرب القارة العجوز
لكن التحدي لا يقتصر على الجغرافيا السياسية وحدها. فمع دخول الصيف، تستعد دول غرب وجنوب أوروبا لموجة حر غير مسبوقة، قد ترفع درجات الحرارة إلى أكثر من 40 درجة مئوية في بعض المناطق، وفقاً لتقارير حديثة. وهذا الارتفاع الحاد في درجات الحرارة يؤدي عادة إلى زيادة استهلاك الكهرباء بشكل كبير، بسبب الاعتماد المكثف على أجهزة التكييف والتبريد.
ويخشى خبراء الطاقة من أن يؤدي ارتفاع الطلب بالتزامن مع استمرار حالة عدم اليقين في أسواق الوقود إلى زيادة أسعار الكهرباء للمستهلكين والشركات. وقد حذرت دراسة سويسرية نشرت في Nature Communications من أن أوروبا الوسطى والشمالية ستشهد موجات حر أكثر شدة وتقلباً، مما يعني أن الطلب على التبريد سيتضاعف في مناطق لم تكن معتادة على مثل هذه الحرارة.
كما كشفت دراسة آخرى أن تكرار ظروف طقس مشابهة لموجة حر 2003 قد يتسبب في 17,800 وفاة إضافية في أسبوع واحد عند مستوى الاحترار الحالي، وقد يرتفع العدد إلى 32 ألف وفاة إذا وصل الاحترار إلى 3 درجات مئوية.
شاهد ايضاً
أزمة طاقة متعددة الأوجه
يواجه صناع السياسات الأوروبية معادلة صعبة، فكيف يمكن حماية المستهلكين من ارتفاع الأسعار مع الحفاظ على استقرار الأسواق وعدم تكرار التدخلات المكلفة التي شهدتها أزمة الطاقة السابقة؟ وقد دفع هذا التوتر الحكومات إلى دراسة خيارات متعددة، منها فرض سقف مؤقت لأسعار الغاز، أو توفير دعم مباشر للأسر الأكثر تضرراً، مع تسريع خطط التحول الطاقوي.
وفي هذا السياق، ترى المفوضية الأوروبية أن الأزمة الحالية تعزز الحاجة إلى تسريع الاستثمار في مصادر الطاقة المتجددة والمضخات الحرارية وكفاءة الطاقة، باعتبارها أدوات تقلل من تعرض القارة لتقلبات أسواق الوقود العالمية. وقد أظهرت بيانات الجمعية الأوروبية للمضخات الحرارية أن المضخات الحرارية وفرت على أوروبا 9.7 مليارات يورو من تكاليف استيراد الغاز في 2025، وهو رقم يعكس أهمية هذه التقنيات في تعزيز أمن الطاقة.
هل أوروبا مستعدة لصيف ساخن؟
مع دخول فصل الصيف، تبدو أوروبا أمام اختبار جديد لقدرتها على إدارة ملف الطاقة. فبينما تراجعت بعض المخاوف بعد مؤشرات على تحسن الأوضاع الدبلوماسية المتعلقة بإيران، لا تزال الأسواق تتعامل بحذر شديد مع أي تطور جديد، في وقت تتزايد فيه احتياجات القارة من الكهرباء بفعل الحرارة المرتفعة.
وبين حرارة الطقس وسخونة الجغرافيا السياسية، تستعد أوروبا لصيف قد يحمل تحديات كبيرة لأسواق الطاقة والأسعار، في وقت لا تزال فيه تداعيات الأزمات السابقة حاضرة في ذاكرة الحكومات والمستهلكين على حد سواء.








