هل يكفي أن تقول الموازنة إن دعم المواد البترولية يبلغ 75 مليار جنيه في 2025/2026 حتى يشعر المواطن بأن الدولة ما زالت تتحمل عنه جزءًا من التكلفة؟ الإجابة العملية لا تأتي من صفحة في الموازنة، وإنما من فاتورة الميكروباص وسعر نقل الخضار وتكلفة توصيل السلع ومصاريف البيت في نهاية الشهر. الرقم مهم، لكنه لا يعيش وحده. قيمته الحقيقية تظهر فقط عندما يعرف الناس كيف يتحول من بند مالي إلى أثر ملموس في حياتهم.

دعم الطاقة في جوهره ليس شعارًا اجتماعيًا ولا مجرد رقم يضاف إلى الإنفاق العام. هو الفرق بين تكلفة توفير المنتج وسعر بيعه للمستهلك. وبحسب البيانات المتاحة، فإن وجود مخصص قدره 75 مليار جنيه يعني أن الدولة لا تزال تتحمل عبئًا في ملف المواد البترولية. غير أن السؤال الذي يفتح باب الجدل لا يتعلق بوجود الدعم من عدمه، وإنما بحجمه الحقيقي داخل كل منتج وكيف تُحسب تكلفة البنزين والسولار بعد إدخال النفط وسعر الصرف والشحن والتكرير والضرائب وهوامش التوزيع في المعادلة.

هنا تبدأ فجوة الثقة. المواطن يسمع أن هناك دعمًا ثم يجد الأسعار تتحرك إلى أعلى. يسمع أن خام برنت تراجع إلى أقل من 77 دولارًا للبرميل ثم لا يرى تراجعًا موازيًا في السعر المحلي. قد تكون هناك أسباب فنية ومالية لذلك؛ من سعر الصرف إلى المخزون إلى أعباء الموازنة. غير أن غياب شرح واضح لهذه العناصر يجعل القرار الاقتصادي يبدو وكأنه يتحرك من أعلى إلى أسفل دون معادلة قابلة للفهم.

من زاوية الحكومة، الصورة أكثر تعقيدًا مما تبدو عند محطة الوقود. عجز الموازنة عند 5.2% والدين العام يعادل 83.8% من الناتج، وهناك نقص في موارد النقد الأجنبي وفاتورة استيراد مرتفعة. أي تحرك في النفط أو العملة يضغط على تكلفة الطاقة. فإذا ثبتت الدولة السعر، انتقل العبء إلى الموازنة. وإذا رفعت السعر، انتقل جزء من العبء إلى المواطن والأسواق. هذه معادلة صعبة فعلاً والحل يبدأ بوضوح الطرح.

عند انتقال الرقم إلى الحياة اليومية، يرى المواطن الصورة من زاوية مختلفة. فالسولار بالنسبة له ليس منتجًا قائمًا بذاته، إنما حلقة في سلسلة تبدأ من النقل ولا تنتهي عند الخبز والخضار والسلع اليومية. والبنزين لا يخص صاحب السيارة وحده؛ لأن تكلفة الخدمات والتوزيع تتأثر أيضًا بالطاقة. لذلك فإن أي رفع في أسعار الوقود يترك أثرًا تضخميًا ولو بدرجات متفاوتة وبفواصل زمنية مختلفة. ومع تضخم عام عند 14.6%، يصبح كل تحريك جديد للسعر اختبارًا مباشرًا لقدرة الدخل على الاحتمال. الأرقام لا تحتمل.

المشكلة الأكبر أن آلية التسعير التلقائي يُفترض أن تكون مرنة في الاتجاهين. إذا زادت التكلفة العالمية أو ضغط سعر الصرف، يستطيع المواطن أن يفهم منطق الزيادة حتى لو تضرر منها. غير أنه إذا تراجع النفط عالميًا فمن حقه أن ينتظر أثرًا مقابلًا أو على الأقل تفسيرًا محددًا لسبب عدم ظهوره. هنا لا يدور السؤال حول تحرك الأسعار فقط، وإنما حول عدالة حركة المعادلة في الصعود والهبوط. عندما تبدو الاستجابة سريعة في الصعود وبطيئة في الهبوط، تتحول الآلية من أداة ضبط إلى سبب جديد للشك. هذا ما يحدث الآن.

ليس المطلوب أن تنخفض الأسعار محليًا مع كل حركة قصيرة في السوق العالمية؛ لأن السعر المحلي لا يتحدد بالنفط وحده. المطلوب أن يعرف المواطن حدود المعادلة. ما نصيب النفط؟ ما أثر سعر الصرف؟ ما حجم الدعم الفعلي؟ وما القدر الذي تتحمله الموازنة وما القدر الذي ينتقل إلى المستهلك؟ الشفافية هنا ليست مطلبًا إعلاميًا، وإنما أداة لإدارة الألم الاقتصادي.

الاختبار الحقيقي في ملف الوقود لا يتعلق بإلغاء الدعم أو بقائه فقط. الأمر يتعلق بما إذا كانت الدولة ستقدم للمواطن معادلة عادلة ومقروءة يرى فيها أثر الصعود كما يرى أثر الهبوط. أما إذا ظل يدفع سريعًا عند الزيادة وينتظر طويلًا عند التحسن، فستبقى أزمة الوقود أكبر من السعر نفسه. ستكون أزمة ثقة في عدالة الحساب.

بقلم:
هاني أبو الفتوح