مرصد الذهب: موجة هبوط يونيو الثالثة في 2026 وخسائر السوق المحلية تفاقمت مع تراجع العلاوة وقوة الجنيه

كتبت هدى العيسوى

كشف مرصد الذهب للدراسات الاقتصادية أن المعدن النفيس يمر حاليًا بثالث موجة هبوط رئيسية منذ بداية عام 2026، وسط حالة من الترقب تسيطر على الأسواق العالمية انتظارًا لبيانات التضخم الأمريكية التي يُنظر إليها باعتبارها العامل الأهم في تحديد توجهات أسعار الفائدة الأمريكية، ومن ثم رسم ملامح حركة الذهب خلال الفترة المقبلة.

وقال الدكتور وليد فاروق، مدير مرصد الذهب للدراسات الاقتصادية، إن أسعار الذهب في السوق المحلية استقرت نسبيًا خلال تعاملات الخميس عقب التراجعات الحادة التي شهدتها الجلسات السابقة، حيث سجل جرام الذهب عيار 21 نحو 5640 جنيهًا، فيما بلغ سعر عيار 24 حوالي 6446 جنيهًا، وعيار 18 نحو 4834 جنيهًا، بينما استقر سعر الجنيه الذهب عند 45120 جنيهًا، في الوقت الذي تراجعت فيه الأوقية عالميًا لتتداول قرب مستوى 3987 دولارًا.

وأوضح أن السوق المحلية لا تزال تتأثر بنتائج الهبوط العنيف الذي تعرضت له الأسعار مؤخرًا، بعدما فقد جرام الذهب عيار 21 نحو 185 جنيهًا في يوم واحد، بالتزامن مع انخفاض الأوقية العالمية بنحو 152 دولارًا، لتقترب من أدنى مستوياتها منذ عدة أشهر.

وأشار إلى أن أحد العوامل الرئيسية وراء تسارع وتيرة التراجع محليًا يتمثل في انخفاض العلاوة السعرية بالسوق المصرية إلى نحو 75 جنيهًا فقط، بالتوازي مع تحسن أداء الجنيه المصري وتراجع سعر الدولار في البنوك إلى قرابة 49.69 جنيهًا، ما أدى إلى مضاعفة حجم الخسائر التي شهدتها أسعار الذهب المحلية مقارنة بالتراجعات المسجلة عالميًا.

وأضاف فاروق أن الذهب فقد منذ مطلع يونيو الجاري نحو 1125 جنيهًا للجرام من عيار 21، بما يمثل تراجعًا يقارب 16.6% من قيمته، بعد أن افتتح الشهر عند مستوى 6765 جنيهًا. وعلى الصعيد العالمي، خسرت الأوقية نحو 560 دولارًا منذ بداية الشهر، متراجعة بنسبة تقترب من 12.3% مقارنة بمستوياتها الافتتاحية البالغة 4540 دولارًا.

وأكد أن أسعار الذهب في مصر فقدت جميع المكاسب التي حققتها منذ بداية العام الجاري، لتدخل المنطقة السالبة للمرة الأولى خلال 2026، حيث تراجع جرام الذهب عيار 21 من 5830 جنيهًا مطلع العام إلى 5640 جنيهًا حاليًا، بخسائر بلغت نحو 190 جنيهًا للجرام، فيما سجلت الأوقية العالمية تراجعًا بنحو 338 دولارًا منذ بداية العام.

وأوضح مدير مرصد الذهب أن ما يحدث حاليًا ليس تطورًا استثنائيًا، بل يمثل ثالث موجة تصحيح رئيسية يشهدها المعدن الأصفر خلال العام الحالي. فالموجة الأولى جاءت في نهاية يناير عقب تسجيل الذهب مستويات تاريخية مرتفعة، لتدفع عمليات جني الأرباح المكثفة الأسعار إلى خسائر تجاوزت 10% خلال فترة قصيرة. أما الموجة الثانية فقد ظهرت خلال مارس مع إعادة تقييم الأسواق لتوقعات أسعار الفائدة الأمريكية، ما تسبب في موجة بيع جديدة دفعت الأوقية للتراجع قرب مستوى 4100 دولار.

وأشار إلى أن الموجة الثالثة الحالية بدأت خلال يونيو، مدفوعة بارتفاع احتمالات استمرار السياسة النقدية الأمريكية المتشددة، وصعود العوائد الحقيقية للسندات الأمريكية، إلى جانب قوة الدولار، وهي عوامل ضغطت بقوة على المعدن النفيس وأدت إلى كسر عدة مستويات دعم فنية مهمة.

وأوضح فاروق أن تراجع الذهب يرتبط بمجموعة من المتغيرات الاقتصادية والمالية، أبرزها ارتفاع الدولار الأمريكي، وصعود عوائد السندات الحكومية، وتراجع توقعات خفض أسعار الفائدة خلال النصف الثاني من العام، وهي عوامل تقلل من جاذبية الذهب باعتباره أصلًا لا يدر عائدًا دوريًا للمستثمرين.

وأضاف أن أنظار المستثمرين تتجه حاليًا نحو بيانات مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي الأمريكي، حيث إن أي قراءة أعلى من التوقعات قد تدعم استمرار التشدد النقدي وتزيد الضغوط على الذهب، بينما قد تمنح البيانات الأضعف المعدن الأصفر فرصة لالتقاط الأنفاس واستعادة جزء من خسائره.

وفي السياق ذاته، تتفق رؤية مرصد الذهب مع تقديرات مجلس الذهب العالمي الذي يرى أن التراجع الحالي يمثل حركة تصحيحية مؤقتة وليس تحولًا طويل الأجل في اتجاه السوق. وأشار المجلس إلى أن العوامل الأساسية الداعمة للذهب لا تزال قائمة، وفي مقدمتها مشتريات البنوك المركزية، وارتفاع مستويات الدين العالمي، واستمرار التوترات الجيوسياسية.

كما أظهرت أحدث استطلاعات مجلس الذهب العالمي أن نحو 45% من البنوك المركزية تعتزم زيادة احتياطياتها من الذهب خلال الاثني عشر شهرًا المقبلة، وهو ما يعزز من فرص استمرار الطلب طويل الأجل على المعدن النفيس.

ورغم التراجعات الحالية، لم تتخل المؤسسات المالية العالمية الكبرى عن نظرتها الإيجابية للذهب، حيث قامت مؤسسات مثل جولدمان ساكس ودويتشه بنك وبنك أوف أمريكا وماكواري وبي إم أو كابيتال ماركتس بإعادة ضبط توقعاتها السعرية بما يتماشى مع استمرار السياسة النقدية الأمريكية المتشددة، مع احتفاظها بتوقعات إيجابية للأسعار على المديين المتوسط والطويل.

وفي المقابل، حذر عدد من المحللين الفنيين من استمرار الضغوط قصيرة الأجل على الذهب، خاصة بعد كسر مستويات دعم فنية مهمة، مع ترقب اختبار مناطق دعم جديدة قد تحدد مسار الأسعار خلال الأسابيع المقبلة.

واختتم الدكتور وليد فاروق تصريحاته بالتأكيد على أن التاريخ يثبت أن الذهب مر عبر عقود طويلة بموجات تصحيح مماثلة، لكنها لم تكن نهاية للاتجاه الصاعد على المدى البعيد، مشددًا على أهمية التعامل مع تحركات السوق وفق أسس اقتصادية وتحليلية دقيقة بعيدًا عن القرارات الانفعالية، خاصة أن العوامل الجوهرية الداعمة للمعدن النفيس ما زالت حاضرة بقوة، وهو ما يجعل مسار الذهب في النصف الثاني من العام مرتبطًا بصورة أساسية بقرارات الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي وتطورات الاقتصاد العالمي وتحركات الدولار ومشتريات البنوك المركزية.