باتريسيا هاشم: أثار مسلسل “مُمكن”، من بطولة النجمة نادين نسيب نجيم والنجم ظافر العابدين، الكثير من الجدل والفضول منذ الإعلان عنه؛ ليس فقط بسبب الثنائية غير التقليدية التي جمعت بطلَيه أو كواليس عرضه، بل أيضاً بسبب جرأة طروحاته التي غاصت في أعماق القضايا الاجتماعية الشائكة، وصولاً إلى نهايته ومخرجاته الدرامية المثيرة للجدل.
ومن أكثر الأمور التي أثارت استغراب المتابعين عدد حلقات المسلسل، إذ أسدل الستار على أحداثه عند الحلقة الحادية والعشرين (٢١). ففي سوق الدراما العربية، اعتاد الجمهور على قوالب ثابتة؛ إما أعمال قصيرة من خمس أو عشر حلقات، أو أعمال رمضانية تمتد إلى ثلاثين حلقة. لذلك، يطرح هذا الرقم “الوسطي” تساؤلاً مشروعاً: هل فرضت الضرورة الدرامية وتشابك الخطوط الإنسانية التوقف عند هذا الحد تفادياً للمطّ والإطالة؟ أم أن ظروفاً إنتاجية أو كواليسية فرضت هذه النهاية؟
وكان من المفترض أن يخوض العمل السباق الرمضاني لعام ٢٠٢٦ بوصفه أحد أبرز الأعمال المنتظرة، إلا أن الرياح جرت بما لا تشتهي سفن الموعد المقرر، فتأجل عرضه إلى ما بعد الموسم الرمضاني. وتعددت التكهنات حول أسباب التأجيل، بين اعتبارات لوجستية وتقنية، أو ربما بسبب طبيعة المحتوى الجريء. ورغم غياب أي توضيح رسمي، فإن هذا التأجيل خدم العمل، إذ حظي بمتابعة مركزة بعيداً عن زحمة المنافسة الرمضانية.
وتميّز “مُمكن” بهويته اللبنانية الواضحة؛ فعلى الرغم من تنوع جنسيات أبطاله، بقيت روحه لبنانية في تفاصيلها كافة، من اللهجة والمواقع والشخصيات إلى القضايا التي ناقشها والبيئة التي احتضنت أحداثه. وزاد هذا الطابع حضوراً النجاح اللافت للنجم التونسي ظافر العابدين في إتقان اللهجة اللبنانية والاندماج الكامل مع نادين نسيب نجيم، حتى بدا وكأنه جزء طبيعي من هذا العالم الدرامي.
واللافت أن هذا الخيار لا يبدو تفصيلاً عابراً، بل ينسجم مع توجه تتبناه شركة “الصبّاح إخوان” منذ سنوات، يقوم على إعادة الاعتبار للدراما اللبنانية ومنحها مساحة حقيقية للمنافسة عربياً، بعدما طغت في مراحل سابقة الأعمال المشتركة التي كانت غالباً ما تُذيب الهوية المحلية لمصلحة قالب عربي عام. في “مُمكن”، بدا الرهان مختلفاً؛ فالهوية اللبنانية لم تكن مجرد خلفية للأحداث، بل شكّلت أحد أعمدة العمل الأساسية، من اللغة إلى الثقافة، ومن البيئة الاجتماعية إلى القضايا المطروحة.
ويؤكد هذا الخيار أن الدراما اللبنانية لم تعد بحاجة إلى التخفف من هويتها للوصول إلى المشاهد العربي، بل إن خصوصيتها باتت مصدر قوة وجاذبية عندما تُقدَّم بإنتاج متقن ونص جيد وأداء مقنع. ومن هنا، يمكن القول إن “مُمكن” يرسّخ رهان “الصبّاح إخوان” على أن العمل اللبناني قادر على المنافسة عربياً وهو متمسك بجذوره، لا متخلياً عنها.
ولم يكن “مُمكن” مجرد قصة حب، بل كان مرآة تعكس جراح المجتمع من خلال شبكة متشابكة من القضايا الإنسانية. فقد فتح ملف الشابات العاملات في الكباريهات، كاشفاً أن وراء كل واحدة منهن حكاية مؤلمة، وماضياً مثقلاً بالأوجاع، وظروفاً قاهرة دفعتها إلى هذا الطريق، مسلطاً الضوء على استغلال أصحاب العمل، وأساليب الابتزاز التي تُمارس بحقهن، إضافة إلى الأحكام القاسية التي يطلقها المجتمع عليهن، وكأنهن يُحكمن بالإعدام الاجتماعي، من دون أن تُمنح لهن فرصة لتغيير مصيرهن.
كما ناقش واحدة من أكثر القضايا القانونية والإنسانية تعقيداً، وهي قضية الأطفال مكتومي القيد، الذين يولدون خارج إطار الزواج، فيجدون أنفسهم محرومين من الهوية والأوراق الثبوتية، وما يرافق ذلك من معاناة تمتد طوال حياتهم. ولم يغفل أيضاً ملفات الفساد السياسي، والأخطاء الطبية، والأدوية الفاسدة، مقدماً صورة قاتمة لكنها واقعية عن أزمات المجتمع.
شاهد ايضاً
أما نادين نسيب نجيم، فقدّمت واحداً من أكثر أدوارها نضجاً وإقناعاً. فمن يتابع مسيرتها يلمس بوضوح كيف أصبح أداؤها أكثر تماسكاً وعمقاً مع مرور السنوات. لم تعد تعتمد على حضورها وكاريزميتها فحسب، بل باتت تراهن على التفاصيل الدقيقة في الأداء. تعابير وجهها، لحظات الانكسار، نظرات الألم، وحتى صمتها، جاءت صادقة ومقنعة، وعكست نضجاً فنياً واضحاً. وربما لعبت فترة ابتعادها الطويلة عن الشاشة دوراً في هذا التطور، إذ بدت وكأنها استثمرت الوقت في مراجعة أدواتها وصقلها والتحضير لمرحلة جديدة في مسيرتها. وفي “مُمكن”، بلغت نادين ذروة الإقناع، وقدّمت الشخصية كما يجب، من دون افتعال أو مبالغة، مؤكدة أنها لا تزال قادرة على مفاجأة الجمهور وتقديم أداء يتطور من عمل إلى آخر.
أما ظافر العابدين، فأثبت مجدداً أنه واحد من أكثر الممثلين العرب احترافاً وتمكناً من أدواته. فمن المؤكد أن تقديم شخصية كاملة باللهجة اللبنانية لم يكن تحدياً سهلاً، إذ كان عليه أن يوازن بين إتقان اللهجة والمحافظة على صدق الأداء وإيصال مشاعر الشخصية من دون تكلف، وهي معادلة صعبة نجح في تحقيقها ببراعة. وليس جديداً على ظافر أن يتحدى نفسه باللهجة اللبنانية، لكنه في “مُمكن” بدا أكثر انسجاماً وثقة، مقدماً أداءً طبيعياً إلى أبعد الحدود. لا تشعر للحظة أنه يمثل، بل يعيش الشخصية بكل تفاصيلها، فيقنع من دون استعراض، ويمنح كل مشهد صدقه وعمقه الإنساني. إنه من أولئك الممثلين الذين يفصّلون أداءهم على قياس الشخصية، ولذلك يصل إحساسه إلى المشاهد بسلاسة ويترك أثراً لا يُنسى.
كذلك، تميّز العمل بأداء لافت لعدد من الممثلين الذين لعبوا أدواراً محورية في تحريك الأحداث. فقدّمت أنجو ريحان أداءً مختلفاً وخارجاً عن المألوف، بينما خطف آلان سعادة، من خلال شخصية “مازن”، الأضواء واستحق الإشادات التي نالها. أما رولا حمادة، فحضرت كضيفة شرف تركت بصمة واضحة وحرّكت الجمر تحت صفيح الاحداث.
في المقابل، كنا نتمنى لو مُنحت شخصيات رودريغ سليمان، وجورج شلهوب، ومروى خليل، وبيار داغر مساحة درامية أوسع، لما يمتلكه هؤلاء من خبرة وحضور كان من الممكن استثماره بصورة أفضل.
وباختصار، كان “مُمكن” مسلسلاً جميلاً وممتعاً، وإن كان يحتمل حوارات أكثر عمقاً، وحبكة أكثر تشويقاً، وتسلسلاً درامياً أكثر اكتمالاً. إلا أن تسارع الأحداث في الحلقة الأخيرة بدا غير مبرر، إذ جرى إنهاء معظم الخطوط الدرامية دفعة واحدة، في أسلوب يفتقر إلى المنطق الدرامي الحديث، وكأن بعض المشاهد حُذفت أو اختُصرت، ما ترك فجوات درامية كان المشاهد يتوق إلى استكشافها.
ورغم ذلك، فقد نجح العمل في إيصال فكرته الأساسية وتحقيق رسالته. ويعود جانب كبير من هذا النجاح إلى المخرج أمين درة، الذي قدّم معالجة إخراجية سلسة وأنيقة، وعرف كيف يصنع مادة بصرية راقية ومشوّقة، حافظت على جاذبية العمل حتى مشاهده الأخيرة.
يذكر أن مسلسل “ممكن” من كتابة مجدي أمين ومنى الشيمي وإخراج أمين درة وإنتاج شركة “الصبّاح إخوان”. ويضم إلى جانب نادين نسيب نجيم، وظافر العابدين كل من زينة مكي، آلان سعادة، أنجو ريحان، رودريغ سليمان، مروى خليل، وبمشاركة جورج شلهوب، وبيار داغر، ورولا حمادة، وآخرين، عُرض على “MBC شاهد”. أما شارة المسلسل حملت صوت النجم اللبناني مروان خوري.







