بائع في سوق الذهب بالدوحة، 28 مارس 2026 (نوشاد ثيكايل/Getty)

بات السؤال الأهم عالمياً: هل ستواصل أسعار الذهب تراجعها، وهل التراجع الملحوظ الذي جرى في الأيام الماضية هو تصحيح مؤقت، أم موجة هبوط متواصلة، خاصّة مع توقعات زيادة سعر الفائدة الأميركية وعودة البنوك المركزية لشراء أطنان من المعدن النفيس، وتصاعد أزمة غلاء الأسعار وأعباء الديون المالية في الاقتصادات المتقدمة؟

تلك الأسئلة وغيرها تشغل مئات الملايين حول العالم، ولا سيّما بعد أن جذب سوق الذهب أنظار الجميع، حكومات وبنوكاً مركزية عالمية وصناديق استثمار ومضاربين وقناصي صفقات وأفراد، في السنوات الأخيرة، وهو ما خلق موجة شراء تعد الأعنف في التاريخ، إضافة إلى تجاوز الذهب سندات الخزانة الأميركية ليصبح أكبر أصل احتياطي عالمي، بنسبة تقارب 27% من إجمالي الاحتياطيات.

والنتيجة أنه في شهر يناير/كانون الثاني 2026 بلغ سعر الذهب أعلى سعر له على الإطلاق، إذ تجاوز 5608 دولارات للأوقية (الأونصة)، وقتها كانت الدول والبنوك المركزية تسابق الأفراد في حيازة المعدن الأصفر وشراء أطنان منه، وهو ما دفع بالسعر نحو موجة صعود تاريخية صاحبتها حالة من الغموض بشأن سعر الفائدة، وعدم اليقين الاقتصادي، وتفشي التوترات العالمية وحرب الرسوم الجمركية وزيادة الدين العالمي.

هل ستواصل أسعار الذهب تراجعها وهل التراجع الملحوظ الذي جرى في الأيام الماضية هو تصحيح مؤقت أم موجة هبوط متواصلة؟

في ذلك الوقت خرجت علينا بنوك استثمار عالمية متوقعة مواصلة المعدن الثمين قفزاته التي أربكت أسواق العالم، وأحدثت تغييرات جوهرية في أولويات المستثمرين والصناديق الكبرى، بل إن بنوكاً كبرى توقعت مواصلة القفزات التاريخية في أسعار الذهب لتصل إلى 6900 دولار للأونصة بنهاية العام الجاري، كما في حالة دويتشه بنك الألماني، أحد أكبر البنوك الأوروبية، الذي توقع أيضاً أن يواصل المستثمرون زيادة مخصصاتهم من الأصول غير الدولارية والأصول الحقيقية. والملفت وقتها أن توقعات بدأت تتحدث عن عشرة آلاف دولار للأوقية قبل نهاية العقد.

لكن حدث في نهاية فبراير/شباط الماضي ما لم يتوقعه الكثيرون، فقد تسابقت الدول في بيع جزء من محافظها من الذهب للحصول على سيولة نقدية تمكنها من الدفاع عن عملاتها المحلية التي تعرضت لضغوط شديدة، وتغطية الخسائر التي منيت بها اقتصاداتها بسبب الحرب على إيران، وقفزة أسعار الطاقة في الأسواق الدولية، ومعها زيادة التضخم وتفشي موجة غلاء أسعار سلع حيوية مثل الأغذية والأسمدة، ومن بين تلك الدول: تركيا وروسيا والفيليبين وكازخستان وغانا.

وبعد أن كانت البنوك الكبرى تتوقع مواصلة الذهب قفزاته، عادت هذه الأيام لتستبعد تحقق تلك الموجة، بل وتتوقع تراجع السعر ليدور حول أربعة آلاف دولار للأوقية، من أحدث تلك التوقعات استبعاد بنك أوف أميركا إمكانية وصول السعر إلى ستة آلاف دولار للأوقية في الوقت الحالي، علماً بأن البنك كان من بين أكثر المؤسسات تفاؤلاً بشأن سوق الذهب عندما بلغت الأسعار مستويات غير مسبوقة، إذ توقع في يناير الماضي وصول السعر إلى ستة آلاف دولار للأوقية بحلول الربيع.

تسابقت الدول في بيع جزء من محافظها من الذهب للحصول على سيولة نقدية تمكنها من الدفاع عن عملاتها المحلية التي تعرضت لضغوط شديدة

لم تتوقف الضغوط على سوق الذهب عند المبيعات الكثيفة من البنوك المركزية، بل دخل الأفراد على الخط حيث تراجع الطلب على الشراء في الأسواق الكبرى، ومنها الهند ومصر وتركيا والصين ودول جنوب شرق آسيا وباقي الدول العربية، وحتى في منطقة الخليج الثرية، لأسباب عدة منها ارتفاع الضرائب على واردات المعدن النفيس كما في حال الهند، وضعف السوق مع تباطؤ قطاع العقارات كما في الصين، إضافة إلى تفشي موجة تضخم وتراجع القدرة الشرائية في العديد من دول العالم ومنها الولايات المتحدة ومنطقة اليورو.

المؤكد أن سعر الذهب لن يشهد انهيارات كما توقع البعض مستندين إلى الهبوط الكبير وفقدان الأوقية نحو 1600 دولار من قيمتها في أقل من نصف عام، ولن يشهد تراجعاً حاداً حتى لو رفع البنك المركزي الأميركي سعر الفائدة في سبتمبر/أيلول المقبل، ولن يشهد السعر في المقابل قفزات كما جرى في عام 2025 ويناير 2026، وسيظل الذهب أفضل أنواع الاستثمار شبة المضمونة، خاصة مع تأكيد العديد من البنوك المركزية حول العالم معاودة موجة شراء المعدن النفيس في الفترة المقبلة في ظل استمرار المخاطر الجيوسياسية وزيادة الدين العالمي واتّساع رقعة التضخم في الاقتصادات الكبرى، إذ إنه وفق دراسة حديثة لمجلس الذهب العالمي شملت 76 بنكاً مركزياً، فإن 34 بنكاً يخططون لزيادة مشترياتهم من الذهب خلال 12 شهراً.