مع انطلاق مونديال 2026 في أميركا الشمالية بسحره المتصاعد وسخونة أجواء مبارياته المثيرة، التي تتجه أنظار العالم إليها من كلّ حدب وصوب، تتوج كرة القدم بكلّ تأكيد على عرش فنون هذا الصيف، من حيث التأثير الكيفي والنوعي، والحضور الكمّي العددي في الوقت نفسه.
وليس من قبيل المجاز ولا المبالغة القول إنّ “الساحرة المستديرة” تندرج تحت مظلة الفنون الإنسانية الرفيعة. فهي، بغضّ النظر عن خلفياتها الاقتصادية والتسويقية وإدارتها التخطيطية العولمية، تمتلك العناصر والمقوّمات الدراماتيكية المكتملة التي تدفع بها إلى منافسة سائر الفنون الرائجة، بل وتتفوّق في موسمها الكرنفالي الاستثنائي – كأس العالم – على الدراما السينمائية والمسرحية والتليفزيونية التي تأتي في مرتبة تالية.
كرة القدم تتفوّق في موسم “المونديال”
إنّ تابلوهات الملاعب الفذّة، وحركات اللاعبين ومَلَكَاتهم الأدائية الراقصة (السامبا، التانغو، الهيب هوب، إلخ)، ومنافساتهم الحماسية المجنونة، ومطارداتهم الإيقاعية الجمالية، وانتصاراتهم وبطولاتهم الواقعية التفاعلية، تسحب البساطَ بقوة من تحت أقدام الفنون المرئية المألوفة، بأحداثها التمثيلية التخييلية والافتراضية، المنفصلة أحياناً عن المتلقي، والتي لا تفسح له مجالاً عادةً للمشاركة والانخراط في قلب الحدث.
داخل مقهى في حيّ الشرابية، القاهرة. (أ ف ب)
تتوهّج الدراماتيكية بأقصى طاقة ممكنة في العروض المونديالية الجاذبة، التي تشهد حضوراً عربيّاً واسعاً في هذه المرة. فكلّ ما يتعلق بالتشويق والإثارة، والتغيير الجذري المفاجئ في مسار الأحداث، والمواقف التي تنطوي على قدر فائق من الشحنات الانفعالية والدفقات العاطفية والتأرجح بين الضحك والبكاء، يجده جمهور كرة القدم حاضراً في سيناريوهات المباريات، لاسيما في الانفلاتات المهارية والتعبيرية التي تكسر أفق التوقّع، وتخرج عن الجاهز والنمطي في الذاكرة، والمستقر في ذائقة التلقي.
التشجيع أيضاً مختلف تماماً في دراما كرة القدم، فهو ليس مجرد افتتان سلبي أو حيادي بجماليات الأداء لدى المتنافسين، بل هو في كثير من الأحيان انحياز يصل إلى درجة التماهي مع الفريق الذي يصنع الحدث على المسرح، إلى جانب حالة الانسجام و”التوحد” بين أنصار الفريق، بعضهم بعضاً، عند المشاهدة الجماعية في منزل، أو مقهى، أو ساحة مفتوحة للمشجعين (Fan Zone)، مجهّزة بشاشات عملاقة، ومهيأة للطقوس الاحتفالية.
كيف غيّر كأس العالم خريطة الترفيه في مصر؟
هذا التفوق الكيفي والنوعي، لدراما كرة القدم على الدراما السينمائية والمسرحية والتليفزيونية، ينعكس أيضاً على المستوى الكمّي والعددي، على الرغم من عدم التعارض الظاهري بين توقيتات مشاهدة معظم المباريات في منتصف الليل وفي الساعات الأولى من الصباح، ومواعيد حفلات السينما والمسرح وعروض المسلسلات التليفزيونية.
لافتة تصوّر قائد منتخب مصر محمد صلاح. (أ ف ب)
ثمة شواهد متنوعة تشير إلى هذا التراجع النسبي في معدلات الحضور والمتابعة للدراما السينمائية والمسرحية والتليفزيونية في مصر منذ انطلاق مونديال 2026 الصيفي، إضافة إلى انتهاج استراتيجيات مرنة وإجراء تغييرات ملموسة في تكنيك جداول عروض السينما والمسرح والتليفزيون جرّاء التأثر بانصراف قطاعات واسعة من الجمهور إلى مشاهدة المباريات المتنوعة لأربعة وعشرين فريقاً في المونديال الأضخم على الإطلاق.
لا يتطلب الأمر بيانات تفصيلية من غرفة صناعة السينما، واتحاد الغرف التجارية، وشركات توزيع الأفلام، والبيت الفني للمسرح، وشركات قياس المشاهدة، وغيرها، للوقوف على مدى انخفاض نسب الإشغال ومعدلات المشاهدة للدراما السينمائية والمسرحية والتليفزيونية، تزامناً مع التصاعد الكبير لحصص متابعة الفضائيات الرياضية المخصصة لعرض تابلوهات المونديال. ولكن، يكفي الالتفات في هذا الصدد إلى مؤشرات دالّة، تبرز المشهد بوضوح.
شاهد ايضاً
مشجّع لمنتخب مصر في المباراة ضد إيران. (أ ف ب)
من ذلك، على سبيل المثال، تخلي كثير من شركات الإنتاج والتوزيع السينمائي عن خطة طرح الأفلام الجديدة دفعة واحدة في شهر حزيران/يونيو مع بداية الصيف، ولجوء غرفة صناعة السينما المصرية، بالتنسيق مع الموزعين، إلى جدولة العروض السينمائية على نحو مختلف، وتمديد الموسم إلى آخر آب/أغسطس، بعد انتهاء المونديال في تموز/يوليو المقبل.
دور عرض لمباريات كأس العالم
من الشواهد الأخرى اللافتة، إلغاء بعض دور العرض السينمائي العروض الليلية المتأخرة المتزامنة عادة مع مشاهدة المباريات، والاكتفاء بعروض النهار والمساء المبكر التي لا تتعارض مع جدول المونديال.
ولعلّ الشاهد الأكثر وضوحاً، هو تحويل مجموعة من صالات العرض السينمائية الكبرى في مصر، إلى “مناطق للمشجعين” (Fan Zones)، لعرض مباريات كرة القدم على الهواء مباشرة، أملاً في تعويض تراجع الإيرادات.
احتفال بتأهل منتخب مصر إلى دور الـ32 من كأس العالم 2026. (أ ف ب)
ويأتي ذلك تحت شعار “عيشوا أجواء كأس العالم داخل السينما”، حيث تُخصص قاعات كاملة لبث المباريات بتذاكر خاصة تشتمل أيضاً على المأكولات والمشروبات، في ثيمة استثمارية جديدة لفنون “الساحرة المستديرة”!
تقليص وإلغاء بسبب المونديال
ينسحب الأمر ذاته بطبيعة الحالة إلى “أبو الفنون”، من حيث انكماش المؤشر الجماهيري للعروض المسرحية، وإلغاء بعضها أو تأجيله، وتعديل المواعيد المسائية المتأخرة، من أجل تفادي التزامن مع بث المباريات. يضاف إلى ذلك، تقليص أيام العرض الأسبوعية طوال فترة المونديال، سواء في مسرح الدولة، وفي مسرح القطاع الخاص، لتحجيم النزيف الناجم عن ضعف الإشغال الجماهيري للقاعات.
أما الإنتاج الدرامي التليفزيوني، المتأثر بشكل مباشر بتغيير وجهة المشاهدين إلى الفضائيات الرياضية، فقد آثر عدم عرض مسلسلات مطولة جديدة على الفضائيات المفتوحة خلال فترة المونديال، خصوصاً مع تراجع العائد الإعلاني المرتبط بالدراما. أما المنصات الرقمية، فلم تتأثر سلبيّاً بالدرجة ذاتها، وذلك لإمكانية اتجاه الراغبين في مشاهدة الدراما إليها في التوقيت المناسب لهم، بعيداً عن جدول مباريات المونديال المزدحم، والذي تبقى له الأولوية لدى النسبة العظمى من المتابعين.







