ويأتي هذا التدخل بعد أسابيع من الانتقادات من جانب وسائل الإعلام المتشددة، ورجال الدين، والفصائل السياسية التي اعتبرت الاتفاق تنازلاً خطيراً أمام واشنطن.
وفي حين يتم تصوير “جبهة ثبات الثورة الإسلامية” (جبهة بايداري) المتطرفة في كثير من الأحيان على أنها المعارض الرئيسي للتقارب مع الولايات المتحدة، فإن النقاش الأخير في إيران سلط الضوء على شبكة أوسع من الفاعلين السياسيين والإعلاميين والأيديولوجيين الذين يقاومون التفاهم بين طهران وواشنطن.
وفي رسالة صدرت بعد توقيع مذكرة التفاهم، حذّر مجتبى خامنئي من أن الأفعال التي تخلق “تشاؤماً بين الناس” تخدم العدو فعلياً، وهو تعبير فُسّر على نطاق واسع بأنه توبيخ للمنتقدين المتشددين للاتفاق.
وسارع كل من بزشكيان وقاليباف إلى إصدار بيانين يتعهدان فيهما باتباع توجيهات المرشد والدفاع عن مسار المفاوضات.
وقد تزامن هذا الجهد الواضح لفرض الانضباط على النقاش مع تدقيق متزايد في هويات معارضي الدبلوماسية.
المفاوضات “حرام”
جاء أحد أكثر التقييمات تفصيلاً من موقع “خبر أونلاين”، الذي جادل بأن المقاومة للمفاوضات الجارية لا ينبغي النظر إليها كـ “انتقاد عادي”، بل كحملة منظمة لتقويض الدبلوماسية، ومهاجمة المسؤولين الرئيسيين، وتعميق الانقسامات الوطنية.
وحدد التقرير التلفزيون الإيراني الرسمي؛ باعتباره المعارض الرئيسي للاتفاق، واستشهد بتصريحات لرجال دِين متشددين استخدموا منصات هيئة الإذاعة والتلفزيون للتنديد بالمفاوضات مع الولايات المتحدة.
وكان من بينهم رجل الدين، غلام رضا قاسميان، الذي أعلن، عبر التلفزيون الرسمي، أن “المفاوضات حرام”، معتبراً أن أولئك الذين يسعون وراء المحادثات يتصرفون بما يخالف المبادئ الإلهية. كما أصر رجل دِين آخر، وهو إسماعيل رمضاني، على أن العلاقات مع واشنطن مستحيلة.
واتهم موقع “خبر أونلاين” هيئة الإذاعة والتلفزيون الرسمية الإيرانية بالعمل كبوق لفصيل سياسي واحد، بدلاً من كونها إذاعة وطنية، بل وزعم أن أجزاءً من تحذيرات المرشد الأخيرة ضد الخلاف تم التقليل من شأنها للحفاظ على الرواية المتشددة.
كما أشار التقرير إلى شخصيات مرتبطة بإدارة الرئيس الراحل، إبراهيم رئيسي، مجادلاً بأن بعضهم ظلوا يركزون على الخصومات السياسية المحلية أكثر من تركيزهم على دعم الدبلوماسية التي أقرتها أعلى مؤسسات الدولة.
المعارضون “المهدويون”
شاهد ايضاً
حلت “جبهة بايداري” في المرتبة الثالثة على القائمة؛ حيث وصف المقال الجبهة بأنها كتلة برلمانية ذات أيديولوجية جامدة، استخدمت شبكتها من المشرعين ووسائل الإعلام لتحدي الفريق المفاوض والتشكيك في جدوى الانخراط مع واشنطن.
ومع ذلك، فإن جبهة “بايداري” لا تمثل سوى جزء من المعارضة.
وفي مقابلة منفصلة مع موقع “رويداد 24″، جادل النائب السابق والمسؤول الأمني، منصور حقيقت بور، بأن المقاومة لاتفاق طهران- واشنطن تعكس أيضاً نفوذ “جمعية الحجتية المهدوية”، والتي لا يزال إرثها موضع نقاش متكرر في إيران.
ولم يذكر المقال العديد من الأصوات المتشددة المألوفة التي عارضت الدبلوماسية أيضاً؛ ومن بينهم رئيس تحرير صحيفة “كيهان”، حسين شريعتمداري، والمنتقد القديم للانخراط مع الولايات المتحدة، والنائب البرلماني، إسماعيل كوثري، الذي واصل توجيه التهديدات ضد واشنطن ودول المنطقة خلال الحرب ووقف إطلاق النار اللاحق.
رد صارم
تعيد هذه الانقسامات صدى النقاشات التي أحاطت بالاتفاق النووي السابق لعام 2015 (خطة العمل الشاملة المشتركة)، عندما اتهمت الفصائل المتشددة المفاوضين بالاستسلام، بينما جادل المؤيدون بأن الدبلوماسية كانت ضرورية لتخفيف الضغط عن البلاد.
وكان قاليباف أكثر وضوحاً في الدفاع عن العملية الحالية، محذراً من أن أولئك الذين يعملون ضد توجيهات المرشد “تحت غطاء طاعة القيادة” سيواجهون “رداً صارماً من الأمة”.
ومع ذلك، يبدو أن الانتقادات العلنية قد هدأت في الوقت الحالي؛ ففي اليوم التالي لتوقيع “مذكرة التفاهم” التزمت وسائل الإعلام الإيرانية الصمت إلى حد كبير بشأن معارضة الاتفاق المحتمل.
وسواء كان ذلك يعكس جهداً مباشراً من القيادة لإسكات المعارضة، أم مجرد هدوء مؤقت بينما تتكيف الفصائل السياسية مع الواقع الجديد، فإن الأمر قد يصبح أكثر وضوحاً في الأيام المقبلة.
أما الأمر الواضح بالفعل، فهو أن مقاومة الاتفاق مع واشنطن تمتد إلى ما هو أبعد من أي حزب أو فصيل واحد، وأن القيادة قد ألمحت إلى أنها تتوقع إبقاء هذه الخلافات تحت السيطرة.








