يحتفل المغرب والولايات المتحدة هذا العام بمرور 250 عاماً على واحدة من أقدم العلاقات الدبلوماسية في التاريخ الأميركي. لكن العلاقات بين الدول لا تعيش على الذاكرة وحدها. فهي تُقاس بما تنتجه اليوم: أمن، تجارة، استثمارات، نفوذ، وموقع في عالم يعاد تشكيله.
في واشنطن، لا يُقرأ المغرب أولاً من بوابة التاريخ، بل من بوابة الجغرافيا. حليف مستقر على ضفتي الأطلسي والمتوسط، قريب من أوروبا، ومنفتح على إفريقيا، وشريك في ملفات الأمن الإقليمي. أما في الرباط، فلا تزال العلاقة مع الولايات المتحدة تُقرأ أيضاً من زاوية أخرى: ماذا يمكن أن تمنح أقدم صداقة دبلوماسية لأميركا في زمن تتغير فيه موازين القوى؟
في طنجة، ما تزال المفوضية الأميركية تقدم جواباً مختلفاً. داخل المبنى الذي أهداه السلطان مولاي سليمان للولايات المتحدة عام 1821، تقول جينيفر روزامي مانانا، المديرة التنفيذية لمعهد المفوضية الأميركية للدراسات المغربية، إن كثيراً من الزوار الأميركيين يغادرون المكان بالعبارة نفسها: “لم نكن نعرف أن كل هذا بدأ هنا.”
مبنى المفوضية الأميركية في طنجة كان أول عقار دبلوماسي تملكه الولايات المتحدة خارج أراضيها عام 1821.. مصدر الصورة: معهد المفوضية الأمريكية للدراسات المغربية (طنجة)
المبنى ليس مجرد متحف. إنه أول عقار دبلوماسي تملكه الولايات المتحدة خارج أراضيها، ورمز لعلاقة بدأت قبل أن تصبح واشنطن قوة عظمى. لكن قيمة هذه العلاقة لا تكمن في عمرها، بل في قدرتها على التكيف. فما بدأ باعتراف دبلوماسي وتجارة بحرية، تحول مع الزمن إلى تعاون أمني وعسكري، وشراكة اقتصادية، وحوار استراتيجي يمتد من المتوسط إلى الساحل الإفريقي.
الرواية الشائعة تقول إن المغرب كان أول دولة اعترفت بالولايات المتحدة، وكفى. أما الرواية الأكثر دقة، فتقول إن البداية لم تكن قصة رومانسية بين بلدين، بل التقاء مصالح. دولة مغربية كانت تبحث عن توسيع تجارتها وموازنة النفوذ الأوروبي، وجمهورية أميركية ناشئة كانت تبحث عن الاعتراف، والأسواق، وطرق بحرية آمنة. وهذا بالضبط ما يجعل القصة مهمة اليوم، لأن العلاقة لم تبدأ خارج المصالح، ولا تستمر اليوم خارجها.
ويحذر كريم بجيت، أستاذ الدراسات الأميركية بجامعة عبد الملك السعدي في تطوان، من قراءة عام 1777 خارج سياقه التاريخي. فالسلطان سيدي محمد بن عبد الله لم يمنح امتيازاً حصرياً للأميركيين، بل فتح الموانئ المغربية أمام سفن عدة دول لم تكن ممثلة في بلاطه، من بينها روسيا، وسردينيا، وبروسيا، ونابولي، وجنوة، ومالطا. وبين هذه الدول ورد اسم “الأميركيين”، الذين كانوا لا يزالون يخوضون حرب الاستقلال ضد بريطانيا.
وهذه الدقة لا تنتقص من أهمية الحدث، بل تمنحه معناه الحقيقي. فإدراج الأميركيين ضمن تلك القائمة كان اعترافاً عملياً بجمهورية لم تكن قد ثبتت مكانتها بعد، لكنه كان أيضاً جزءاً من سياسة اقتصادية مغربية أوسع هدفت إلى تنشيط التجارة عبر ميناء الصويرة، وتنويع الشركاء، وعدم الارتهان للقوى الأوروبية القريبة.
مبنى المفوضية الأميركية في طنجة رمز لعلاقة بدأت قبل أن تصبح واشنطن قوة عظمى .. مصدر الصورة: معهد المفوضية الأمريكية للدراسات المغربية (طنجة)
من الجانب الأميركي، كان المعنى مختلفاً. يرى فرانكلين لامبرت، أستاذ التاريخ في جامعة بوردو، أن المغرب منح الولايات المتحدة الناشئة أكثر من اعتراف دبلوماسي. منحها بوابة إلى البحر المتوسط، في وقت لم تكن تملك فيه قوة بحرية قادرة على حماية تجارتها. كانت السفن الأميركية تحتاج إلى عبور مضيق جبل طارق بأمان، وإلى الوصول إلى أسواق المتوسط لتصدير القمح، والتبغ، والأرز، والأسماك المجففة. لذلك لم تكن معاهدة السلام والصداقة عام 1786 مجرد إعلان نوايا، بل اتفاقاً ينظم التجارة والملاحة ويمنح الطرفين ما يحتاجانه.
لكن هذه العلاقة لم تُبنَ على المجاملات وحدها. تأخرت واشنطن في الرد على المبادرة المغربية، بسبب انشغالها بحرب الاستقلال وبناء مؤسساتها. ولم تبدأ المفاوضات الجدية إلا بعد احتجاز السفينة الأميركية “بيتسي” عام 1784، وهو ما أجبر الأميركيين على التعامل مع الرباط باعتبارها شريكاً لا يمكن تجاهله. حتى في بداياتها، كانت الصداقة محكومة بمنطق البحر، والتجارة، وموازين القوة أكثر من الخطابات.
ويرى لورنس باسكين، أستاذ الدراسات الأميركية الإفريقية بجامعة مورغان ستيت، أن المغرب كان بالفعل أفضل شريك للولايات المتحدة في شمال إفريقيا، لكنه يحذر من تحويل هذه العلاقة إلى قصة مثالية. فمن الجانب المغربي، هناك فخر مشروع بالمبادرة الأولى، أما من الجانب الأميركي، فكانت العلاقة كثيراً ما تُدار عبر المعاهدات والمدفوعات وحسابات الملاحة، لا عبر العواطف.
شاهد ايضاً
وتذهب الباحثة ديانا وايلي إلى أن معنى “الصداقة” نفسه تبدل مع الزمن. فالمفوضية الأميركية في طنجة لم تكن مجرد مقر دبلوماسي، بل تحولت عبر العقود إلى قنصلية، ثم إلى مركز استخباراتي خلال الحرب العالمية الثانية، قبل أن تصبح متحفاً ومؤسسة ثقافية وتعليمية. وهكذا أعادت العلاقة تعريف نفسها في كل مرحلة، تبعاً لموازين القوة ومتطلبات اللحظة.
اليوم، لم تعد واشنطن تحتاج من الرباط اعترافاً دبلوماسياً. ما تريده هو شريك مستقر في منطقة تتزايد فيها المنافسة الجيوسياسية. فالمغرب يُقرأ في دوائر القرار الأميركية باعتباره بوابة إلى إفريقيا، ونقطة ارتكاز بين الأطلسي والمتوسط، وشريكاً أمنياً في الساحل وشمال إفريقيا. أما التاريخ، فيأتي بعد ذلك، كقصة تمنح هذه العلاقة عمقاً، لا سبب وجودها.
وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو (يمين) مع وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج ناصر بوريطة (يسار) في مقر وزارة الخارجية الأمريكية بالعاصمة واشنطن، في 8 أبريل 2025 .. مصدر الصورة: AFP
وتجسد مناورات “الأسد الإفريقي” هذا التحول أكثر من أي شيء آخر. فما بدأ برسائل بين سلطان مغربي ورئيس أميركي أصبح اليوم أكبر تمرين عسكري تقوده القيادة الأميركية في إفريقيا. وفي نسخة عام 2026، شاركت أكثر من أربعين دولة، إلى جانب آلاف العسكريين والمدنيين، واستخدمت المناورات لاختبار مفاهيم مرتبطة بحروب المستقبل والتشغيل المشترك.
وبالنسبة لواشنطن، تعكس هذه المناورات رؤية جديدة للمغرب: ليس مجرد حليف تاريخي، بل منصة استراتيجية للتدريب والتنسيق والعمل العسكري في القارة الإفريقية. أما الرباط، فترى فيها دليلاً على مكانتها داخل البنية الأمنية التي تقودها الولايات المتحدة.
ومع ذلك، يضع عبد السلام مغراوي، أستاذ العلوم السياسية بجامعة ديوك، حدوداً واضحة لهذه العلاقة. فالولايات المتحدة ترى في المغرب حليفاً مستقراً وموثوقاً، لكن المغرب، كما يقول، “لا يهم الولايات المتحدة بالقدر الذي نميل نحن المغاربة إلى اعتقاده.”
وربما تختصر هذه العبارة طبيعة العلاقة كلها. فواشنطن تريد من الرباط شريكاً أمنياً، وجسراً نحو إفريقيا، وقوة استقرار في منطقة مضطربة. أما الرباط، فتسعى إلى ما هو أبعد: دعم أميركي أكثر وضوحاً في ملف الصحراء، وتعاون دفاعي أعمق، ووصول أكبر إلى التكنولوجيا العسكرية المتقدمة، واستثمارات نوعية في قطاعات المستقبل.
اقتصادياً، توفر اتفاقية التجارة الحرة، التي دخلت حيز التنفيذ عام 2006، إطاراً مؤسسياً نادراً في إفريقيا. لكن الأرقام تكشف أن العلاقة لا تزال غير متوازنة. فقد ارتفع فائض تجارة السلع الأميركية مع المغرب من نحو 35 مليون دولار عام 2005 إلى 3.4 مليارات دولار في عام 2024.
بالنسبة للرباط، لا يكفي توسيع التجارة، بل المطلوب استثمارات في الطاقة النظيفة، والهيدروجين الأخضر، وسلاسل توريد البطاريات، والتكنولوجيا، والتعليم، والصناعة. غير أن الاستثمار الأميركي، كما يذكّر مغراوي، تحركه اعتبارات السوق، والشفافية، وسيادة القانون، لا التاريخ وحده.
يحتفل المغرب والولايات المتحدة هذا العام بمرور 250 عاما على واحدة من أقدم العلاقات الدبلوماسية في التاريخ الأميركي.. مصدر الصورة: معهد المفوضية الأمريكية للدراسات المغربية (طنجة)
لهذا، تبدو الذكرى الـ250 أقل احتفالاً بالماضي وأكثر تفاوضاً على المستقبل. فالتاريخ يمنح العلاقة شرعية، لكنه لا يمنحها تلقائياً قيمة سياسية أو اقتصادية. وما بدأ قبل قرنين ونصف باعتراف متبادل ومصالح بحرية، سيُقاس في السنوات المقبلة بقدرة البلدين على تحويل أقدم صداقة دبلوماسية لأميركا إلى شراكة تنتج مكاسب جديدة، لا مجرد ذكريات قديمة.








