أيمن بدرة يكتب: على خطى الرجال بعد إنجازنا في المونديال

يجب علينا أن نعرف ونعترف ونتأكد أن كرة القدم المصرية قبل مباراة المنتخب مع الأرجنتين في دور الـ16 لكأس العالم كانت في مكان وانتقلت بعدها إلى مكان آخر.. ارتقت فيه درجات وحققت انتصارات كثيرة وزادت المسئوليات على كل العاملين في هذه المنظومة الكروية بعد أن أصبحت مشاركة مصر في مونديال 2026 مشاركة مرجعية تؤرخ منها لمرحلة تاريخية جديدة فيها ما لم يكن من قبل إذا تمت المحافظة على الإيجابيات وتعظيم النجاحات وعلاج السلبيات.

أما ما نجحنا فيه فيمكن عرض بعضه في نقاط عدة:

أولها أن المنتخب اكتسب ثقة عالمية ومحلية من جماهير الكرة بأن هذا الفريق يمتلك القدرة على منافسة أقوى منتخب على وجه الأرض. حامل لقب كأس العالم قطر 2022 وكان على بُعد دقائق من أن يطيح به ولا يسمح لنجم نجوم الكرة العالمية ليونيل ميسي ورفاقه بأن يستمروا في البطولة للدفاع عن لقبهم.. لذا سبقت دموعهم الحارة ابتسامتهم بعد أن أطلق الحكم الفرنسي صفارته بنهاية المباراة بفوزهم 2/3.. وأداء دوره المؤثر في خدمة المنتخب الأرجنتيني.

دموع ميسي أكدت حجم الضغط العصبي الذي كان يعانيه وهو يرى حلم المونديال يتبخر من بين يديه ومصطفى زيكو يدك مرمى فريقه بهدف يلغيه طاقم التحكيم ظلماً وعدواناً.. فيعود زيكو ويدك مرمى التانجو الأرجنتيني مرة أخرى بعدها بدقائق معدومات، مؤكداً أن الهجمات مرسومة والتكتيك بينه وبين محمد صلاح وهيثم حسن محسوم.

عاصفة الحق

لن أكرر تفصيلات صور الظلم التحكيمي والدور المشبوه الذي قام به مجموعة من الأشخاص خدمة لمنظومة المراهنات، تكفي شهادة عشرات الخبراء والنجوم العالميين لصالح منتخبنا والتأكيد على أنه تعرَّض للسرقة أمام الأرجنتين.

أثبتت مصر بعد هذه المباراة مدى التأثير الذي تركته على المونديال، ليس لأن المباراة كشفت كثيراً من خفايا اللعب المشبوه وجعلت إنفانتينو، رئيس الفيفا، في حرج حتى إنه خرج عن البروتوكول وحمل علم مصر في محاولة لأن يخفف من حدة الهجوم الإعلامي وعلى مواقع التواصل نتيجة تعاطفه الواضح مع منتخب الأرجنتين وظهوره حزيناً مع كل هدف للأبطال المصريين.

وليس هذا التأثير فقط لأن بيرلويجي كولينا، رئيس لجنة الحكام في الفيفا، خرج لأول مرة بتبريرات خرقاء لقرارات طاقم تحكيم المباراة بقيادة الفرنسي فرانسوا لتيكسيه لتكون الوحيدة تقريباً التي يتحدث عنها لأن عواصف الهجوم عليه وعلى حكامه كانت عاتية.. وترددت موجاتها في كل المباريات التالية للمنتخب الأرجنتيني أمام منتخبات سويسرا ثم فرنسا وأخيراً إنجلترا، وكل أجهزة هذه المنتخبات خرجت عقب المباريات تقرأ من الكتاب الذي سطَّره المصريون عن عدم العدالة والميل التحكيمي لصالح راقصي التانجو الذين باتت موسيقاهم، على ما يبدو، النشيد الوطني للفيفا، فلا يريد أن يعزف غيره.

اللعب والتلاعب

أما التأثير الأكبر لمشاركة مصر في المونديال فكان ما سطرته من سمعة عالمية وإقليمية أن منتخبها الوطني يجيد الفوز وفقاً لقواعد قانون اللعبة ولكنه لا يعرف التلاعب الذي استخدمه الآخرون.. وهو ما أشار إليه الرئيس عبدالفتاح السيسي، خلال تكريم نجوم المنتخب، وهو يؤكد لأبنائه أنهم لعبوا بجدية وندية وكفاءة عالية وبقيم.. وقال لهم: «صحيح القيم دي مش متوافرة اوي هذه الأيام لكن انتم كان عندكم قيم».

وهي معانٍ ستبقى محفورة راسخة في ذاكرة العالم عن منتخب مصر، كلما ترددت ذكرى مشاركته المونديالية تداعت إلى الأذهان صورة شبان مصريين يلعبون بشرف وفنون كروية عالية، يكررون هجماتهم على بطل العالم فلا تسلَم شباكه من أهدافهم إلا بقرارات تحكيمية.

المصريون يعملون

نأتي إلى ما هو آتٍ من استثمار للنجاحات، وبداية الطريق كانت توجيهات الرئيس السيسي، خلال التكريم في العلمين، بأن تكون الكوادر الفنية الكروية مصرية بعدما أكد حسام حسن، المدير الفني للمنتخب، وجهازه أن المصريين لديهم قدرات وملكات لتحقيق نتائج أفضل من تلك التي يحققها الأجانب.. وعليهم أن يبقوا ليستكملوا طريقهم.. وثقة القيادة السياسية في أبناء بلده لم تمنح دفعة كبيرة للجهاز الفني الحالي للمنتخب فقط، ولكنها فتحت أبواب الأمل لكثير من المدربين وعناصر العمل في مجال كرة القدم أن العمل في منظومة كرة القدم ببلدهم متاح ولن تتقلص فرصهم بسبب أجانب رواتبهم عالية وإنجازاتهم متدنية.

وكان أول الأبواب التي تفتحت بعد هذا التوجيه في مقعد المدير الفني لاتحاد الكرة الذي كان مجلس هاني أبوريدة مصمماً أن يكون أجنبياً بعد الاستغناء عن علاء نبيل.. فأصبح المكان يتأهب لخبير مصري، وكذلك في لجنة الحكام الرئيسية، حيث تمسَّك الاتحاد بالإبقاء على الكولمبي أوسكار رويز رغم كل المشكلات التي أثيرت حوله.. وكانت جرعة الثقة التي منحها رب الأسرة المصرية للعناصر المحلية وراء توجيه الشكر للكولمبي ودراسة تعيين الخبير المصري على رأس لجنة الحكام.. وستكون هناك أماكن كثيرة تعطي الفرصة للمصريين الذين رفع أسهمهم وعزَّر مكانتهم حسام وإبراهيم حسن وكل المدربين والإداريين والأطباء الذين أكدوا كفاءتهم فأعادوا ذكريات نجاحات حققها المدرب الكبير الراحل محمود الجوهري في المونديال وكأس الأمم الأفريقية.. والمعلم الأسطورة حسن شحاتة الذي وضع الكرة المصرية على قمة القارة الأفريقية ست سنوات متتالية لا يُتوَّج فيها إلا المنتخب المصري.

بين التجرد والمصلحة

ومن بعد منح الثقة للكوادر المصرية تأتي خطوات دعم الأندية الشعبية لتكون الكرة للجماهير وبالجماهير في أجواء تنافسية ترتقي بحالة الانتماء والارتباط بكل ما هو مصري بعد أن كانت المباريات عبارة عن معلبات لأندية شركات مدرجاتها خاوية وكأنها نشاط سري ومجرد أرقام خاوية من الروح التي تقام من أجلها المنافسات الرياضية.. البداية بنادي منتخب السويس.. ونادي الشرقية من خلال اتفاقية شراكة مع شركات تضخ الأموال في شرايين هذه الكيانات الرياضية لتعود للمنافسات وتعود معها الجماهير.. والبقية في الطريق وفقاً لما أعدته الحكومة وتنفذه وزارة الشباب والرياضة. خاصة بعدما وجَّه الرئيس بضرورة أن يتحلى كشافو كرة القدم الذين يقدمون اللاعبين بالتجرُّد. وقال: نريد الكثير من اللاعبين من محمد صلاح، وهذا دور كشافين متجردين.

وهنا يكون دور المسئولين في اتحاد الكرة والأندية للتخلص من العناصر (المصلحجية).

مما لا شك فيه أن المشهد سيتغير إلى الأفضل وأن الدرجات التي اعتلتها الكرة المصرية بعد المونديال ستظل عليها وتتقدم ما لم تخرج معاول الهدم لتكسر عزيمة وقيمة ما صنعناه من أجل أهواء شخصية.. لعل إصلاح المشهد الإعلامي من أهم ما تتطلبه الرياضة والكرة المصرية على وجه التحديد لتكون الرسالة الإعلامية داعمة للتنافسية بين الأندية لا نبعاً للكراهية والتناحر بين الجماهير والأندية.