تعكس الموازنة العامة للدولة للعام المالي 2026/2027 توجهًا واضحًا نحو تحقيق التوازن بين البعد الاجتماعي ودعم النشاط الاقتصادي، من خلال تخصيص اعتمادات مالية كبيرة لعدد من القطاعات الحيوية، تستهدف تخفيف الأعباء عن المواطنين، وتحفيز الإنتاج والاستثمار، وزيادة معدلات النمو، بما يتماشى مع مستهدفات الدولة في تحقيق التنمية المستدامة وتحسين جودة الحياة.
ويأتي قطاع الإسكان في مقدمة القطاعات التي حظيت باهتمام كبير في الموازنة الجديدة، حيث خصصت الدولة اعتمادات لدعم برامج توفير السكن الملائم لمحدودي ومتوسطي الدخل، إلى جانب تخفيف الأعباء التمويلية عن المواطنين المستفيدين من برامج الإسكان المختلفة.
وتستهدف الحكومة من خلال هذه المخصصات توسيع قاعدة المستفيدين من الوحدات السكنية، ودعم الفئات الأولى بالرعاية، بما يتوافق مع أهداف العدالة الاجتماعية.
وكشفت الموازنة أن الدولة تتحمل فروق سعر الفائدة على القروض الميسرة المخصصة للإسكان الشعبي، بالإضافة إلى القروض الميسرة للأسر الفقيرة، فضلاً عن فروق سعر الفائدة على أرصدة هذه القروض، حيث بلغت التقديرات المالية لهذا البند نحو 170 مليون جنيه خلال العام المالي الجديد. كما رصدت نحو 12.95 مليار جنيه لدعم برنامج الإسكان الاجتماعي، وهو ما يمثل قيمة الدعم الذي تتحمله الدولة لصالح محدودي الدخل المستفيدين من البرنامج، بما يسهم في استمرار تنفيذ مشروعات الإسكان الاجتماعي، وتوفير وحدات سكنية بأسعار مدعومة وأنظمة سداد ميسرة، دعمًا لجهود التنمية العمرانية وتحسين جودة الحياة.
وفي إطار دعم القطاعات الإنتاجية، واصلت الدولة توجيه حوافزها للصناعة والزراعة، حيث خصصت الموازنة نحو 25.9 مليار جنيه لدعم الأنشطة الصناعية والزراعية، في خطوة تعكس توجه الحكومة نحو زيادة الإنتاج المحلي، وتشجيع الاستثمار، وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني.
ويتضمن هذا الدعم تخصيص 6 مليارات جنيه لتحمل الدولة فارق سعر الفائدة على قروض القطاعات الإنتاجية، في إطار المبادرة التي تتيح التمويل بفائدة 15% لقطاعي الصناعة والزراعة، على أن تتحمل وزارة المالية فارق سعر الفائدة، بما يسهم في تخفيف الأعباء التمويلية على المستثمرين ودعم التوسع في الإنتاج.
كما خصصت الموازنة نحو 1.95 مليار جنيه لمبادرة دعم القروض الموجهة للقطاعات الصناعية ذات الأولوية، والتي تستهدف تمويل شراء الآلات والمعدات وخطوط الإنتاج، بقيمة إجمالية للمبادرة تصل إلى 30 مليار جنيه ولمدة خمس سنوات.
وتشمل القطاعات المستفيدة صناعات الأدوية، والصناعات الهندسية، والغذائية، والغزل والنسيج، والكيماويات، والتعدين، ومواد البناء، والجلود، والصناعات المعدنية، مع رفع الحد الأقصى لتمويل العميل الواحد إلى 100 مليون جنيه، و150 مليون جنيه للأطراف المرتبطة، بما يعزز التصنيع المحلي ويرفع القدرة الإنتاجية للمصانع المصرية.
وامتد الدعم إلى قطاعي السياحة وصناعة السيارات، باعتبارهما من القطاعات ذات الأولوية في تحقيق النمو الاقتصادي وزيادة فرص العمل وجذب الاستثمارات.
فقد رصدت الحكومة نحو 6.75 مليار جنيه لتحمل فارق سعر الفائدة ضمن مبادرة دعم قروض القطاع السياحي، والتي تستهدف توفير تمويلات ميسرة للمشروعات السياحية بفائدة متناقصة تبلغ 12%، على أن تتحمل وزارة المالية الفارق وفقًا لسعر البنك المركزي، وذلك في إطار مبادرة تصل قيمتها إلى 50 مليار جنيه لدعم الاستثمارات السياحية.
وفي الوقت نفسه، خصصت الموازنة نحو 5.5 مليار جنيه لدعم استراتيجية صناعة السيارات، من خلال برامج صندوق تمويل صناعة السيارات صديقة البيئة، والتي تستهدف توطين صناعة السيارات الكهربائية داخل مصر، وزيادة نسب المكون المحلي في السيارات المصنعة محليًا، بما يعزز تنافسية الصناعة الوطنية، ويخفض فاتورة الاستيراد، إلى جانب خلق فرص عمل جديدة في الصناعات المغذية والمرتبطة بقطاع السيارات.
شاهد ايضاً
كما أكدت الموازنة استمرار الدولة في تقديم حوافز مالية لدعم التصدير وتمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر، باعتبارها من المحركات الرئيسية للنمو الاقتصادي وزيادة الإنتاج.
وخصصت الحكومة نحو 48.043 مليار جنيه لدعم تنمية الصادرات المصرية، بزيادة قدرها 3.543 مليار جنيه مقارنة بموازنة العام السابق التي بلغت 44.5 مليار جنيه، بما يعكس استمرار تنفيذ برامج رد الأعباء التصديرية، وتشجيع الشركات المصرية على التوسع في الأسواق الخارجية وزيادة الصادرات.
ورفعت الدولة قيمة الحوافز النقدية الموجهة للمشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر إلى 5 مليارات جنيه، مقابل 3 مليارات جنيه في العام السابق، بنسبة زيادة بلغت 66.7%، وذلك في إطار تطبيق قانون تنمية المشروعات رقم 152 لسنة 2020، الذي ينص على تخصيص برامج للحوافز النقدية ودعم الموقف المالي لجهاز تنمية المشروعات، بهدف تشجيع رواد الأعمال، وزيادة معدلات التشغيل، وتحفيز الاستثمار في المشروعات الإنتاجية والخدمية.
وفي قطاع الطاقة، أولت الحكومة اهتمامًا بالتوسع في استخدام الغاز الطبيعي، من خلال تخصيص اعتمادات مالية تستهدف دعم المواطنين وخفض الاعتماد على الوقود التقليدي.
ورصدت الموازنة نحو 3.5 مليار جنيه لاستكمال برنامج توصيل الغاز الطبيعي للمنازل، بهدف التوسع في إدخال الخدمة إلى المناطق المستهدفة، وتقليل الاعتماد على أسطوانات البوتاجاز، بما يسهم في خفض تكلفة الدعم وتحسين مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين.
كما خصصت الدولة نحو 3 مليارات جنيه لمبادرة تحويل السيارات للعمل بالغاز الطبيعي، وفقًا لقرارات مجلس الوزراء، والتي تتضمن تحمل الدولة جزءًا من تكلفة التحويل لمدة خمس سنوات بدأت في يناير 2025. وإلى جانب ذلك، تضمنت الموازنة نحو 400 مليون جنيه لاستكمال تمويل المشروع القومي لإحلال المركبات القديمة للعمل بالغاز الطبيعي بدلًا من السولار والبنزين، في إطار جهود الدولة للتوسع في استخدام الطاقة النظيفة، وخفض الانبعاثات، وتقليل استهلاك الوقود التقليدي.
ولم تغفل الموازنة ملف التنمية الإقليمية، حيث خصصت اعتمادات لدعم محافظات الصعيد وتنشيط الحركة السياحية. ورصدت الحكومة نحو 450 مليون جنيه لدعم تنمية الصعيد يتم صرفها من خلال هيئة تنمية الصعيد، التي تعمل على تنفيذ مشروعات تنموية ترتبط برؤية مصر 2030 وبرنامج عمل الحكومة، مع التركيز على استغلال المزايا التنافسية للمحافظات، وتعزيز التنمية المحلية، وتحقيق الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والأمنية داخل محافظات الصعيد.
وفي السياق ذاته، خصصت الموازنة نحو 4.42 مليار جنيه لدعم صندوق السياحة والآثار لتمويل مبادرة تحفيز الطيران، والتي تستهدف تشجيع شركات الطيران على زيادة عدد الرحلات الجوية الوافدة إلى المقاصد السياحية المصرية، بما يسهم في رفع معدلات الحركة السياحية، وزيادة أعداد السائحين، ودعم الإيرادات السياحية، وذلك من خلال تمويل المبادرة عبر صندوق دعم السياحة والآثار، في إطار خطة الدولة لتعزيز مكانة مصر كوجهة سياحية عالمية وزيادة مساهمة القطاع في الاقتصاد الوطني.
وتؤكد هذه المخصصات أن موازنة العام المالي 2026/2027 تستهدف المضي في تنفيذ برامج الدعم الاجتماعي بالتوازي مع تحفيز القطاعات الإنتاجية والخدمية، من خلال توفير التمويل اللازم للإسكان، ودعم الصناعة والزراعة، وتنشيط السياحة، وتعزيز الصادرات، وتشجيع المشروعات الصغيرة، والتوسع في استخدام الطاقة النظيفة، إلى جانب دعم التنمية في محافظات الصعيد، بما يعكس رؤية متكاملة لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية.








