مصاغ للبيع في سوق الذهب بالقاهرة، 19 إبريل 2023 (Getty)
دخلت سوق الذهب المصرية تعاملات اليوم الاثنين على حالة من الترقب، بعدما استقرت الأسعار نسبياً عقب أسبوع اتّسم بتذبذب محدود، في وقت كشفت فيه نتائج استطلاع موسع عن تصاعد حالة الاستياء داخل القطاع، مع مطالبة غالبية التجار والمصنعين الحكومة بإعادة النظر في السياسات الضريبية والتنظيمية لإنقاذ السوق من تباطؤ المبيعات.
بدأت تعاملات اليوم باستقرار سعر غرام الذهب عيار 21، الأكثر تداولاً في السوق المصرية، عند نحو 5995 جنيهاً للبيع و5950 جنيهاً للشراء، فيما سجل عيار 24 نحو 6850 جنيهاً للبيع، وبلغ سعر الجنيه الذهب نحو 47 ألفاً و 960 جنيها، بينما استقرت الأونصة عالمياً قرب 4056 دولاراً، وسط ترقب المستثمرين لاجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي هذا الأسبوع.
يأتي هذا الاستقرار بعد أسبوع شهد مكاسب محدودة للذهب، إذ ارتفعت الأونصة العالمية بنحو 0.9% لتغلق عند 4053 دولاراً، فيما صعد سعر غرام الذهب عيار 21 محلياً بنحو 10 جنيهات لينهي الأسبوع قرب مستوى 5990 جنيهاً، مستفيداً من استمرار التوترات الجيوسياسية وارتفاع سعر الدولار محلياً، إلى نحو 51.39 جنيهاً، رغم الضغوط التي فرضها تعافي العملة الأميركية وارتفاع عوائد السندات الأميركية على المعدن النفيس.
خلف الهدوء السعري، تكشف مؤشرات السوق عن أزمة أعمق يواجهها العاملون في القطاع، فقد أظهر استطلاع أجراه مرصد الذهب للدراسات الاقتصادية بمشاركة 688 من التجار والمصنعين والعاملين المصريين في صناعة وتجارة الذهب، أن 78.4% من المشاركين غير راضين عن السياسات الحالية المنظمة للقطاع، بينما طالب 82.7% بإعادة النظر في الأعباء الضريبية باعتبارها المدخل الرئيسي لتنشيط السوق ودعم الصناعة.
قال الدكتور وليد فاروق، مدير المرصد، إن نتائج الاستطلاع تعكس رؤية مباشرة للعاملين بالسوق، وتؤكد وجود توافق واسع على ضرورة إعادة تقييم البيئة التشريعية والتنظيمية بما يتناسب مع التطورات التي شهدها قطاع الذهب خلال السنوات الأخيرة. وأشار إلى أن المطالب لا تقتصر على خفض الأعباء المالية، وإنما تشمل أيضاً تبسيط الإجراءات الضريبية وربط الضرائب بالأرباح الفعلية بدلاً من قيمة الذهب الخام، بما يقلل تكلفة التشغيل ويشجع الاستثمار ويحد من توسع الاقتصاد غير الرسمي.
ورغم أنّ أسعار الذهب تراجعت كثيراً عن قممها التاريخية التي سجلتها خلال الربع الأول من العام، فإن التجار يرون أن المشكلة الأساسية لم تعد في الأسعار، وإنما في ضعف الطلب. أظهر الاستطلاع أن 75.1% من المشاركين اعتبروا تراجع المبيعات أكبر تحدٍ يواجه القطاع حالياً، مقابل 15.8% رأوا أن ارتفاع الأسعار يمثل المشكلة الرئيسية، بينما جاءت تكلفة المصنعية في المرتبة الثالثة.
شاهد ايضاً
يرى متعاملون بالسوق أنّ الارتفاعات القياسية التي شهدها الذهب خلال الأشهر الأولى من العام دفعت شريحة واسعة من المستهلكين إلى تأجيل قرارات الشراء، قبل أن تبدأ المبيعات في التحسن تدريجياً مع موجة التصحيح التي شهدتها الأسعار منذ يونيو الماضي، إلّا أن هذا التحسن لم يكن كافياً لإعادة النشاط إلى مستوياته الطبيعية.
وقال مرصد الذهب للدراسات الاقتصادية وليد فاروق لـ”العربي الجديد”، إن تنشيط الطلب يتطلب حزمة متكاملة من الإجراءات، تشمل تحسين البيئة الضريبية، وخفض تكاليف الإنتاج، ودعم الصادرات، بما يعيد الحيوية إلى جميع حلقات الصناعة، مبيناً أنّ الاستطلاع كشف عن تمسك العاملين بحرية المنافسة في تحديد قيمة المصنعية، إذ أيد 84.1% استمرار ترك تحديدها لكل مصنع أو تاجر وفق جودة المنتج والخدمات المقدمة، بينما لم تحظ فكرة فرض سعر موحد للمصنعية إلا بتأييد محدود.
ورأى 64.6% من المستطلعين، أنّ هامش ربح يبلغ 150 جنيهاً للغرام أصبح الأكثر ملاءمة في ظل ارتفاع تكاليف التشغيل والطاقة والأجور. وفي ملف المشغولات المرصعة بالأحجار الكريمة، دعا المشاركون إلى وضع قواعد أكثر شفافية لعمليات البيع وإعادة الشراء، بما يحافظ على حقوق المستهلك ويحد من النزاعات بين التجار والعملاء. ولم تتوقف مطالب العاملين عند الملف الضريبي، إذ دعا المشاركون إلى إنشاء مجلس أو هيئة عليا لصناعة وتجارة الذهب تضم ممثلين عن الحكومة والمصنعين والتجار، لتنسيق السياسات ووضع استراتيجية موحدة لتطوير القطاع.
كما طالبوا بتطوير منظومة الدمغ والفحص، والتوسّع في استخدام تقنيات الدمغ بالليزر والباركود، وتشديد الرقابة على العيارات، مع وضع قواعد أكثر وضوحاً لعمليات البيع وإعادة الشراء بين المصانع والتجار. وشملت المقترحات تحسين أوضاع العاملين من خلال توفير مظلة تأمين صحي وتطوير برامج التدريب الفني، إلى جانب تقديم مزيد من الدعم لتصدير المشغولات الذهبية، بما يعزّز تنافسية الصناعة المصرية في الأسواق الخارجية، في وقت تتركز أنظار الأسواق هذا الأسبوع على اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، الذي قد يحدد اتجاه الذهب خلال الفترة المقبلة.
ويرى محللون أن استمرار أسعار الفائدة المرتفعة أو صدور إشارات متشدّدة من الفيدرالي قد يدعم الدولار ويرفع عوائد السندات، وهو ما يشكل ضغطاً على الذهب باعتباره أصلاً لا يدر عائداً. في المقابل، لا تزال عوامل الدعم طويلة الأجل قائمة، وفي مقدمتها استمرار مشتريات البنوك المركزية، وارتفاع الطلب الفعلي من الصين، إضافة إلى استمرار التوترات الجيوسياسية، وهي عوامل يرى خبراء أنها تحد من احتمالات تعرض الذهب لهبوط حاد.
وبينما يترقب المستثمرون ما ستسفر عنه قرارات السياسة النقدية الأميركية، تبدو الرسالة الصادرة من سوق الذهب المصرية أكثر وضوحاً، فالتجار لا يرون أن تقلبات الأسعار وحدها هي المشكلة، وإنما يعتبرون أن إصلاح البيئة الضريبية والتنظيمية أصبح شرطاً أساسياً لاستعادة النشاط، بعد سنوات من التقلبات التي فرضت ضغوطاً متزايدة على واحدة من أقدم الصناعات وتجارة المصوغات في مصر.








