دعونا نحسم هذه النقطة منذ البداية: من المستبعد جداً أن يرفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة عندما يجتمع صناع السياسة هذا الأسبوع، بعدما أظهرت أحدث البيانات تباطؤ التضخم.

إضافةً إلى ذلك، فإن فرق العمل الخمسة التي أعلن عنها رئيس الاحتياطي الفيدرالي الجديد كيفن وارش، وسط ضجة إعلامية كبيرة، لمراجعة أساليب البنك المركزي وعملياته، لا تزال في بدايات عملها.

فهل يعقل أن يشدد وارش السياسة النقدية قبل ظهور نتائج تلك المراجعات، والمقرر صدورها بحلول نهاية العام؟

مع ذلك، فإن رفع أسعار الفائدة قد يحقق عدة أهداف في وقت واحد بالنسبة إلى وارش، من بينها كسب رضا الرئيس دونالد ترامب، الذي حاول إقالة سلفه جيروم باول، لأنه لم يكن مستعداً لخفض أسعار الفائدة. دعوني أشرح الفكرة.

صحيح أن البيت الأبيض منح وارش تفويضاً غير رسمي عندما تولى قيادة البنك المركزي، يتمثل في إيجاد أي مبرر لخفض أسعار الفائدة حتى تنخفض تكاليف الاقتراض في مختلف أنحاء الاقتصاد، لكن الواقع مختلف، فسيطرة الاحتياطي الفيدرالي تقتصر على تكاليف الاقتراض قصيرة الأجل جداً، من ليلة واحدة وحتى نحو عامين تقريباً.

أما المحرك الحقيقي لتكاليف الاقتراض طويلة الأجل فهم متداولو السندات، بما في ذلك المعدلات التي تحدد أموراً يهتم بها الرئيس، مثل فوائد الرهن العقاري، وقروض السيارات، وبطاقات الائتمان، وسندات الشركات.

كيف تؤثر مصداقية البنك المركزى في الأسواق؟

اكتشف رئيس الاحتياطي الفيدرالي الراحل آلان جرينسبان ذلك في عام 2004، عندما بدأ البنك المركزي رفع مستهدف سعر الفائدة على الأموال الفيدرالية من 1% إلى 4.75% بحلول أوائل عام 2006، ليفاجأ بانخفاض عوائد السندات طويلة الأجل.

عُرفت هذه الظاهرة لاحقاً باسم “لغز جرينسبان”، لكنها لم تكن لغزاً بالمعنى الحقيقي، إذ لم يكن رد فعل السوق على ارتفاع أسعار الفائدة القياسية أمراً محيراً.

فالأسواق تنظر إلى المستقبل، وكل زيادة في أسعار الفائدة كانت تعزز قناعة المستثمرين بأن تعهدات صناع السياسة بالسيطرة على التضخم تتمتع بالمصداقية، وانخفضت فوائد الرهن العقاري لأجل 30 عاماً من مستوى بلغ 6.34% في منتصف عام 2004 إلى 5.47% بعد عام واحد.

أراهن أن هذه صفقة سيقبل بها مدير صناديق التحوط السابق ووزير الخزانة الحالي سكوت بيسنت من دون تردد.

فقد قال مطلع العام الماضي إنه وترامب، كانا يركزان بدرجة أكبر على خفض أسعار الفائدة طويلة الأجل بدلاً من التأثير في الاحتياطي الفيدرالي لخفض سعر الفائدة المستهدف.

وهناك تكهنات في الأسواق بأن هذا السيناريو قد يتحقق بالفعل.

وكتب كبير الاقتصاديين في “ويلز فارجو سيكيوريتيز” توم بورشيلي، في مذكرة بحثية للعملاء الأسبوع الماضي: “من الأمور التي سمعناها مراراً من الذين يعتقدون أن الاحتياطي الفيدرالي سيرفع أسعار الفائدة في أقرب وقت، ربما الأسبوع المقبل، أن وارش، ومن ورائه بيسنت، سيحصلان في نهاية المطاف على ما يريدانه فعلاً، وهو انخفاض العوائد طويلة الأجل”.

وأضاف: “تقوم هذه الفكرة على أن رفع أسعار الفائدة سيعزز مصداقية وارش في مكافحة التضخم، ويقضي على علاوة التضخم المضمنة في أسعار الفائدة طويلة الأجل”.

وسعى وارش، الذي خلف جيروم باول في شهر مايو، إلى تقديم نفسه على أنه مستقل عن البيت الأبيض، رغم رغبة الرئيس المعلنة في أن تمتلك الولايات المتحدة “أدنى أسعار فائدة في العالم”.

وارش يسعى إلى ترسيخ استقلاليته

قال وارش، رداً على سؤال خلال جلسة استماع أمام اللجنة المصرفية في مجلس الشيوخ يوم 15 يوليو بشأن ما إذا كان قد تواصل مع ترامب منذ توليه رئاسة الاحتياطي الفيدرالي: “أقول لكم ما قلته للرئيس مراراً، وما قلته أيضاً لوزير الخزانة: لقد اختاروا شخصاً مستقلاً لأداء مهمة مستقلة، وهذا بالضبط ما أنوي القيام به”.

وأثارت تصريحاته “معضلة” صغيرة، إذ سجل عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات أكبر انخفاض له في ثلاثة أسابيع رغم نبرته المتشددة.

وفاجأ وارش بالفعل كثيرين بإصراره على مكافحة التضخم.

وفي تعليقها على الشهادة نفسها، أشارت “بلومبرج إيكونوميكس” إلى أن “وارش “، أبدى تشدداً واضحاً في موقفه.

من وجهة نظره، وبعد 63 شهراً ظل فيها التضخم أعلى من مستهدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2%، أصبحت مهمة استقرار الأسعار في وضع أسوأ من مهمة تحقيق التوظيف الكامل.

وإضافةً إلى ذلك، فإن التوسع في بناء البنية التحتية للذكاء الاصطناعي يسهم في زيادة التضخم، لأن أثره في الطلب يظهر بوتيرة أسرع من استجابة جانب العرض، ورغم أنني ذكرت في البداية أن احتمالات رفع أسعار الفائدة هذا الأسبوع ضئيلة، فإنها ليست معدومة.

فسوق السندات يسعر احتمالاً يبلغ 38% لرفع سعر الفائدة المستهدف على الأموال الفيدرالية من مستواه الحالي البالغ 3.75%، بعدما كان الاحتمال أقل من 10% قبل جلسة الاستماع في مجلس الشيوخ.

يملك وارش صوتاً واحداً فقط داخل اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة، التي تحتاج إلى سبعة أصوات لتغيير أسعار الفائدة. لكن هذا قد لا يكون عائقاً كبيراً، في ظل إشارات عدد من صناع السياسة إلى احتمال الحاجة إلى مزيد من التشديد النقدي.

ويُظهر مؤشر “بلومبرج إيكونوميكس” لقياس توجهات مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي أن صناع السياسة، بصورة جماعية، يتبنون حالياً أكثر المواقف تشدداً منذ عام 2023، وهي الفترة التي كانوا يرفعون فيها أسعار الفائدة، مع وجود سبعة أعضاء مصوتين يتبنون مواقف متشددة بوضوح.

هل يكرر وارش نهج أسلافه؟

لا ينبغي تجاهل التقليد الذي جرى عليه رؤساء الاحتياطي الفيدرالي الجدد، والمتمثل في رفع أسعار الفائدة سريعاً بعد تولي المنصب.

فعل “بول فولكر”، ذلك خلال شهرين فقط من توليه المنصب، بينما احتاج كل من آلان جرينسبان، وبن برنانكي، وجيروم باول إلى شهر واحد فقط، بحسب داريو بيركنز، الاستراتيجي في “تي إس لومبارد”.

أما جانيت يلين، فخالفت هذا النهج، إذ لم ترفع أسعار الفائدة إلا بعد مرور 22 شهراً على بدء ولايتها.

وكتب بيركنز في مذكرة بحثية للعملاء: “غالباً ما يتبنى الرؤساء الجدد مواقف متشددة في بداية ولايتهم. هذا يساعدهم على ترسيخ مصداقيتهم في مكافحة التضخم. ولخص بول فولكر هذه الفكرة عندما استقبل أول رفع للفائدة في عهد جرينسبان بقوله: تهانينا، لقد أصبحت الآن مصرفياً مركزياً حقيقياً”.

ولاتزال ولاية وارش في بدايتها، لكنه حتى الآن قال وفعل كل ما يلزم لتخفيف مخاوف المشككين الذين اعتقدوا أنه تولى قيادة أهم مؤسسة مالية في العالم، فقط لتنفيذ رغبات البيت الأبيض.

لذلك، ورغم أن رفع أسعار الفائدة هذا الأسبوع يبدو غير مرجح، فإن “وارش” يدرك بالتأكيد أن ترسيخ موقف متشدد تجاه السياسة النقدية سيعزز مصداقيته أكثر، وسيبعث برسالة طمأنة إلى سوق السندات، التي تبقى في نهاية المطاف صاحبة الكلمة الفصل في تحديد تكاليف الاقتراض، وحتى “ترامب” يفترض أن يكون راضياً عن مثل هذه النتيجة.

المصدر:
وكالة أنباء “بلومبرج”

بقلم:
روبرت بورجيس، كاتب مقالات رأي لدى “بلومبرج”