أفاد مراسلونا في محافظات عدة أن الأسواق السورية تشهد غياب منصة رسمية موحدة لنشر الأسعار، ما فتح الباب أمام صفحات على مواقع التواصل الافتراضي لتتحول من مجرد مساحات للتواصل إلى أدوات اقتصادية مؤثرة، يتهمها تجار ومربين بالتلاعب بالأسواق، ولا سيما المواشي.
ويؤكد مراسلونا أن أسعار الأغنام في سوريا يلاحظ تفاوتاً كبيراً بين الأسواق، من الضمير بريف دمشق إلى نجها وحماة وحمص، حيث تنشر صفحات غير معروفة الملكية أو الجهة المشرفة عليها أسعاراً متفاوتة، مرفقة أحياناً بصور أرشيفية، تحت عناوين مثل “الطلب الكبير” أو “السعر الرائج”، في محاولة، نقلاً عن عاملين في القطاع، لكسر الأسعار أو رفعها بما يخدم مصالح تجارية.
وأكد التاجر في سوق النبك للمواشي، المعروف بـ”أبو خالد”، في حديثه لوكالتنا، أن هذه الصفحات باتت تلعب دوراً رئيساً في قيادة الأسعار داخل الأسواق، مشيراً إلى أن قواعد العرض والطلب لم تعد وحدها التي تحدد السعر.
وقال إن كثيراً من التجار باتوا يفاوضون المربين والفلاحين استناداً إلى الأسعار المنشورة على تلك الصفحات، مضيفاً أن بعضها يُدار لخدمة مصالح تجار محددين، فيما تُنشر أسعار مدفوعة الأجر في بعض الأحيان بهدف كسر السوق أو رفعه.
وأضاف أن الأسعار التأشيرية التي كانت تشكل مرجعاً للأسواق لم تعد موجودة، وأصبح السوق، بحسب وصفه، محكوماً بالفوضى التي تقودها مجموعة من التجار عبر صفحات على “فيسبوك”، فيما يبقى المربي الحلقة الأضعف التي تتحمل الخسائر.
من جهته، قال المربي سعدون الشلاش إنه سمع عبر مواقع التواصل الافتراضي أن سعر كيلو الخروف وصل إلى 350 ألف ليرة سورية، ما دفعه إلى عرض جزء من قطيعه للبيع في سوق النبك، لكنه فوجئ بأن سعر الشراء الفعلي لم يتجاوز 85 ألف ليرة للكيلوغرام.
وأضاف أن أحد التجار فتح أمامه أثناء التفاوض مقطع “ريلز” منشوراً على إحدى صفحات التواصل يظهر فيه تاجر يحدد سعر كيلو الخروف بـ 85 ألف ليرة، واتخذه مرجعاً لتحديد السعر، مؤكداً أن هذه الممارسات تلحق خسائر كبيرة بالمربين الذين يضطرون إلى بيع جزء من مواشيهم لتأمين الأعلاف ونفقات تربية بقية القطيع.
وأشار الشلاش إلى أن الفلاح لا يملك القدرة على مواجهة هذه الممارسات، ما يجعله عرضة للاستغلال في ظل غياب الرقابة والتنظيم.
من جانبه، قال خبير التسويق جمال سيدي إن صفحات الأسواق والإعلانات الممولة وحملات المندوبين على مواقع التواصل الافتراضي باتت تؤدي دوراً كبيراً في تضخيم أسعار بعض المنتجات أو خفضها، وإعادة تسعيرها بعيداً عن واقع السوق.
شاهد ايضاً
وأوضح أن هذه الصفحات تمنح المستهلك إمكانية مقارنة الأسعار بين مئات المنافسين، لكنها في الوقت نفسه تفتح الباب أمام الغش والغبن، خاصة عند بيع المنتجات عبر الإنترنت، حيث قد تصل السلعة إلى المشتري بمواصفات تختلف عن تلك المعروضة، ليجد نفسه أمام خيارين؛ إما قبول المنتج وتحمل الخسارة أو دفع تكاليف إضافية لإعادته.
وأضاف سيدي أن ترك الأسواق تحت تأثير صفحات يديرها مستفيدون ينعكس سلباً على صغار المربين والفلاحين، سواء في قطاع المواشي أو الخضار، ويمنح القائمين على هذه الصفحات أو ممولي الإعلانات قدرة على التأثير في الأسعار وتحقيق أرباح كبيرة، في ظل غياب الرقابة وغياب منصات رسمية تنشر الأسعار التأشيرية في المحافظات.
وأشار إلى أن بعض المصدرين قد يلجؤون، عند شراء المنتجات الزراعية بغرض التصدير، إلى نشر أسعار منخفضة عبر صفحات التواصل الافتراضي للتأثير في السوق وشراء المحاصيل بأقل الأسعار الممكنة، قبل إعادة بيعها أو تصديرها بهوامش ربح مرتفعة.
وفي المقابل، لا توجد حتى الآن منصة حكومية سورية موحدة تنشر أسعاراً استرشادية يومية للمواشي على مستوى البلاد، كما لم تصدر وزارة الاقتصاد والصناعة أو وزارة الزراعة تعليقاً رسمياً يتناول تأثير صفحات التواصل الافتراضي في توجيه أسعار المواشي أو المنتجات الزراعية.
في المقابل، تؤكد مديريات التجارة الداخلية وحماية المستهلك في بياناتها الدورية استمرار الجولات الرقابية على الأسواق، وضبط المخالفات المتعلقة بعدم الإعلان عن الأسعار والغش والاحتكار، دون التطرق إلى دور المنصات الإلكترونية في التأثير على حركة الأسعار.
ويرى متابعون أن استمرار غياب مرجعية رسمية للأسعار، مقابل تنامي نفوذ الصفحات غير الموثقة على تلك المواقع، أسهم في خلق سوق موازية تتحكم باتجاهات العرض والطلب، وأوجد واقعاً سعرياً جديداً لا يستند في كثير من الأحيان إلى مؤشرات السوق الحقيقية، بل إلى منشورات وإعلانات قد تخدم مصالح فئات محددة، بينما يدفع صغار المربين والفلاحين الثمن الأكبر.
(أم)
ANHA







