Published On 30/7/202630/7/2026
بعد 4 عقود على إطلاقه، لم يعد مؤشر “بيغ ماك” مجرد فكرة ساخرة ابتكرتها مجلة الإيكونوميست للمقارنة بين أسعار العملات، بل تحول إلى أحد أكثر المقاييس شهرة في الاقتصاد الدولي لقياس القوة الشرائية، وكشف الاختلالات التي تعانيها أسواق الصرف، في وقت تعود فيه قضايا تقييم العملات إلى صدارة النقاش العالمي مع تصاعد التوترات التجارية بين الولايات المتحدة والصين واليابان وأوروبا.
وتقول الإيكونوميست إن المؤشر، الذي سيكمل عامه الأربعين في سبتمبر/أيلول المقبل، وُلد عام 1986 خلال فترة شهدت مخاوف من اختلالات كبيرة في أسعار الصرف العالمية، وهي المخاوف التي تعود اليوم بصورة مختلفة مع استمرار الجدل حول قوة الدولار وضعف اليوان والين.
وتستند فكرة المؤشر إلى مبدأ بسيط يُعرف في الاقتصاد باسم “تعادل القوة الشرائية”، الذي يفترض أن السلع المتشابهة ينبغي أن تُباع بالسعر نفسه في مختلف الدول بعد احتساب سعر الصرف. ولأن شطيرة “بيغ ماك” تُباع بالمواصفات نفسها تقريبا في عشرات الدول، فقد أصبحت أداة عملية لقياس ما إذا كانت العملات مقومة بأعلى أو أقل من قيمتها الحقيقية.
وتوضح المجلة أن 100 دولار في الولايات المتحدة تكفي حاليا لشراء نحو 16 شطيرة “بيغ ماك”، وهي قوة شرائية تعادل تقريبا 100 يورو أو 426 يوانا صينيا أو 8039 ينا يابانيا، بينما تمنح أسعار الصرف الفعلية في الأسواق المبلغ نفسه، نحو 87 يورو أو 677 يوانا أو أكثر من 16 ألف ين، وهو ما يكشف حجم الفجوة بين أسعار الصرف السوقية والقوة الشرائية الفعلية للعملات.
أكثر من شطيرة.. وأقل من نموذج اقتصادي كامل
ورغم الطابع المبسط للمؤشر، فإنه تعرض منذ إطلاقه لانتقادات واسعة. فهناك من يرى أن الاعتماد على منتج واحد لا يمكن أن يعكس اقتصادا كاملا، بينما يعتبر آخرون أن تكلفة “بيغ ماك” تعتمد بدرجة كبيرة على عناصر غير قابلة للتجارة الدولية، مثل الأجور والإيجارات، وليس فقط على أسعار السلع الأولية.
القوة الشرائية معيار يكشف الفجوة بين القيمة السوقية والحقيقية للعملات (غيتي)
لكنّ الإيكونوميست ترى أن بدائل المؤشر ليست خالية من العيوب أيضا. فقياسات القوة الشرائية التي يصدرها البنك الدولي، رغم شموليتها، لا تُنشر إلا مرة كل 3 سنوات، وتصدر بعد فترة زمنية طويلة، كما أنها تعتمد على واحدة من أكبر العمليات الإحصائية في العالم، مما يجعلها معقدة وبطيئة وصعبة الفهم.
في المقابل، يتميز مؤشر “بيغ ماك” بالبساطة وسرعة التحديث وسهولة المقارنة، كما أن نتائجه تتقاطع بدرجة كبيرة مع بيانات البنك الدولي، إذ أظهرت المقارنة بين 54 اقتصادا مشتركا أن 7 اقتصادات فقط اختلف فيها تقييم المؤشرين بشأن ما إذا كانت العملة رخيصة أو مرتفعة القيمة.
شاهد ايضاً
وتضيف المجلة أن الشطيرة نفسها ليست منتجا بسيطا كما تبدو، فهي تضم أكثر من 60 مكونا مختلفا، كما تعكس تكاليف العمالة والعقارات وسلاسل الإمداد في كل دولة، وهو ما يمنحها قدرة على التقاط صورة واسعة نسبيا عن مستويات الأسعار المحلية.
اليوان في قلب الجدل العالمي
وتكتسب نتائج المؤشر أهمية أكبر في ظل تصاعد الخلافات التجارية العالمية، إذ يواصل الإشارة إلى أن اليوان الصيني أقل من قيمته الحقيقية، وهي نتيجة تتوافق مع تقديرات صندوق النقد الدولي الذي رأى في وقت سابق من هذا العام أن العملة الصينية تقل بنحو 16% عن المستوى الذي تبرره الأساسيات الاقتصادية.
وترى الإيكونوميست أن ضعف اليوان منح الصين ميزة تنافسية كبيرة في التجارة العالمية، وأسهم في تحقيق فائض قياسي في تجارة السلع بلغ نحو 1.2 تريليون دولار العام الماضي، الأمر الذي أثار انتقادات متزايدة من شركائها التجاريين.
وكان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قد وصف هذه الاختلالات بأنها “لا تُحتمل”، محذرا من أنها تمثل تهديدا مباشرا للصناعة الأوروبية، بينما كان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب من أكثر المنتقدين للعملات الآسيوية منخفضة القيمة، متهما الصين واليابان مرارا بالسعي إلى إضعاف عملتيهما لتعزيز صادراتهما.
اليوان الصيني من أبرز العملات التي انخفضت قيمتها طبقا للمؤشر (رويترز)
ورغم تراجع هذا الخطاب في الآونة الأخيرة، لا تزال الأسواق تتداول بصورة متكررة تكهنات بشأن إمكانية التوصل إلى اتفاق دولي جديد شبيه بـ”اتفاق بلازا” الذي أدى في ثمانينيات القرن الماضي إلى إضعاف الدولار، إلا أن المجلة ترى أن تكرار مثل هذا الاتفاق في الظروف الحالية يبدو غير مرجح.
وتشير الإيكونوميست إلى أن معالجة هذا الاختلال لا تتطلب بالضرورة رفع سعر صرف اليوان، لأن ذلك قد يضر بالنمو الاقتصادي ويزيد الضغوط الانكماشية داخل الصين، بل يمكن تحقيق النتيجة نفسها عبر تنشيط الاقتصاد المحلي بما يؤدي إلى ارتفاع الأجور والأسعار بوتيرة أسرع، وهو ما يرفع القيمة الحقيقية للعملة حتى مع استقرار سعر صرفها الاسمي.
وتخلص المجلة إلى أن مؤشر “بيغ ماك” قد يبدو بسيطا، لكنه يواصل أداء دور يتجاوز حجمه، إذ يقدم وسيلة سهلة لفهم واحدة من أكثر قضايا الاقتصاد العالمي تعقيدا، وهي ما إذا كانت أسعار الصرف تعكس فعلا القوة الشرائية الحقيقية للعملات أم أنها لا تزال بعيدة عن توازنها الاقتصادي.







