كتبت – سارة حمزة:

قررت الحكومة رفع أسعار الكهرباء للمنازل في خطوة يرجح خبراء أن تضغط على معدلات التضخم، وقد تؤجل مسار خفض أسعار الفائدة، بحسب حديثهم لـ”إيكونومي بلس”.

جاءت هذه الزيادة في ظل استمرار الضغوط على قطاع الطاقة نتيجة ارتفاع تكلفة الوقود وتراجع إنتاج الغاز الطبيعي، يأتي ذلك بعد ما رفعت الحكومة في أبريل الماضي أسعار الكهرباء لشرائح الاستهلاك المنزلي المرتفع والاستهلاك التجاري بنسبة تراوحت بين 16% و20% في المتوسط.

كما تزامنت الزيادة الأخيرة مع إعلان صندوق النقد الدولي انتهاء مراجعتين لبرنامج الإصلاح الاقتصادي في مصر، بما يتيح صرف نحو 1.8 مليار دولار من التمويلات الجديدة.

تكلفة استيراد الوقود وراء الزيادة

قال مصطفى شفيع، رئيس قسم البحوث الاقتصادية والمالية بشركة أسطول القابضة، إن خروج سفينة التغويز في ميناء دمياط من الخدمة حرم مصر من نحو 450 مليون قدم مكعب من الغاز يوميًا، وهي كميات تمثل جزءًا مهمًا من إمدادات الوقود اللازمة لتشغيل محطات الكهرباء، ما يستلزم تعويضها عبر استيراد المازوت، وهو ما يمثل عبئًا ماليًا إضافيًا على الدولة.

أضاف شفيع، في حديثه لـ”إيكونومي بلس”، أن ارتفاع تكلفة تشغيل محطات الكهرباء يعد أحد أبرز الأسباب التي دفعت الحكومة إلى زيادة أسعار الكهرباء، متوقعًا أن ينعكس القرار على معدل التضخم خلال أغسطس، باعتبار أن الكهرباء تمثل وزنًا مؤثرًا في سلة قياس الأسعار، وهو ما قد يدفع التضخم إلى معاودة الارتفاع.

رجح شفيع أن تشهد لجنة تسعير المواد البترولية زيادة جديدة في أسعار الوقود خلال اجتماعها المقبل، الأمر الذي سيضيف ضغوطًا تضخمية جديدة، وقد يدفع البنك المركزي إلى الإبقاء على أسعار الفائدة عند مستوياتها الحالية أو حتى رفعها إذا تصاعدت الضغوط السعرية.

تراجع إنتاج الغاز وضيق الحيز المالي

من جانبه، أرجع محمد فؤاد، الخبير الاقتصادي وعضو مجلس النواب، زيادة أسعار الكهرباء إلى عاملين رئيسيين؛ الأول مباشر يتمثل في ارتفاع تكلفة إنتاج الكهرباء نتيجة زيادة تكلفة الوقود، بعد تراجع إنتاج مصر من الغاز الطبيعي من نحو 6.9 مليار قدم مكعب يوميًا في ذروة عام 2022 إلى أقل من 3.7 مليار قدم مكعب يوميًا حاليًا، ما فرض الاعتماد بصورة أكبر على الغاز المستورد الأعلى تكلفة.

أما العامل الثاني، بحسب فؤاد، فهو ضيق الحيز المالي للدولة، موضحًا أن نحو 64% من استخدامات الموازنة يذهب إلى خدمة الدين، وهو ما يقلص قدرة الحكومة على الاستمرار في دعم الخدمات الأساسية، لتصبح زيادة الأسعار الخيار الأسرع لتغطية الفجوات التمويلية.

أضاف أن الإصلاح الحقيقي لا يقاس بعدد مرات رفع الأسعار، وإنما بقدرته على خفض التكلفة، وتقليل الدين، وتحسين كفاءة الإدارة، معتبرًا أن استمرار ارتفاع الأسعار بالتوازي مع زيادة المديونية يشير إلى أن سياسة رفع الأسعار وحدها لم تعالج جذور الأزمة.

أشار كذلك إلى ما ورد في بيان حزب العدل، الذي اعتبر أن المشكلة لا تكمن في قرار رفع الأسعار بحد ذاته، وإنما في تحوله إلى الأداة الرئيسية لإدارة الأزمات، موضحًا أن مديونية قطاع الكهرباء لصالح وزارة البترول بلغت نحو 480 مليار جنيه رغم الزيادات المتتالية في تعريفة الكهرباء، بما يثير تساؤلات حول مدى فاعلية هذا النهج.

قدرت موازنة العام المالي 2026-2027 مخصصات خدمة الدين بنحو 5.2 تريليون جنيه، تشمل فوائد وأقساط القروض المحلية والأجنبية، بزيادة 19.2% مقارنة بالعام المالي السابق.

ووفقًا للبيان التحليلي للموازنة، تبلغ قيمة سداد القروض المحلية والأجنبية نحو 2.807 تريليون جنيه، مقابل 2.08 تريليون جنيه في العام المالي الحالي، بينما تصل مدفوعات الفوائد إلى 2.419 تريليون جنيه، مقارنة مع 2.298 تريليون جنيه.

وتخصص الموازنة العامة للعام المالي الحالي نحو 120 مليار جنيه لدعم قطاع الطاقة، منها 104 مليارات جنيه لدعم الكهرباء و16 مليار جنيه لدعم المواد البترولية، وفق تصريحات سابقة لوزير المالية أحمد كجوك.

كما تتضمن الموازنة 175.3 مليار جنيه لدعم السلع التموينية يستفيد منها أكثر من 60 مليون مواطن، إلى جانب 55.3 مليار جنيه لبرامج “تكافل وكرامة” والضمان الاجتماعي ومعاش الطفل والرائدات الريفيات، يستفيد منها نحو 4.7 مليون أسرة.

مخاوف من استمرار الضغوط التضخمية

بدوره، قال مدحت نافع، الخبير الاقتصادي وأستاذ الاقتصاد، إن الزيادة الأخيرة تعكس استمرار الاختلالات المالية والهيكلية في قطاع الكهرباء، وارتفاع تكلفة الوقود، وتراكم المديونيات المتبادلة، إلى جانب الضغوط الواقعة على الموازنة العامة.

أضاف أن المشكلة الأعمق تتمثل في اعتماد الحكومة بصورة متكررة على رفع الأسعار لسد الفجوات المالية، بدلًا من معالجة أسبابها الهيكلية عبر إصلاح الإدارة، وتحسين كفاءة الإنفاق والاستثمار، وخفض الفاقد والهدر، وهو ما يؤدي في النهاية إلى تحميل المواطن تكلفة الإصلاح، رغم تآكل قدرته الشرائية بفعل موجات التضخم.

ورأى نافع أن احتمالات زيادة أسعار الوقود لا تزال قائمة إذا استمر النهج الحالي في إدارة الاختلالات المالية، موضحًا أن أي زيادة جديدة في أسعار الكهرباء أو الوقود تنتقل سريعًا إلى تكاليف الإنتاج والنقل والخدمات، لتولد موجة تضخمية جديدة وتعزز ما يعرف بـ”التضخم اللزج”، وهو ما قد يؤخر أي توجه من البنك المركزي نحو خفض أسعار الفائدة.

أضاف أن السياسة النقدية ستظل مطالبة بمواجهة تضخم ناتج بالأساس عن ارتفاع تكاليف الإنتاج والأسعار المنظمة، وليس عن زيادة الطلب.

لمتابعة أخر الأخبار والتحليلات من إيكونومي بلس عبر واتس اب اضغط هنا