كريم حدادي
شهدت سوق الذهب في مصر خلال الأيام الأخيرة تحولاً لافتاً بعدما سجلت الأسعار تراجعاً ملحوظاً، في وقت كان كثير من المتعاملين يتوقعون استمرار موجة الارتفاع، خاصة مع صعود سعر صرف الدولار أمام الجنيه المصري واستمرار حالة عدم اليقين في الأسواق العالمية. هذا التراجع أعاد النقاش حول العوامل الحقيقية التي تتحكم في حركة المعدن النفيس داخل السوق المحلية، ومدى ارتباطها بالمتغيرات الدولية والداخلية في آن واحد.
وخلال الأسبوع الممتد بين 26 يوليو و2 أغسطس 2026، فقد غرام الذهب من عيار 21، وهو الأكثر تداولاً بين المصريين، نحو 65 جنيهاً ليستقر عند مستوى 5930 جنيهاً، بينما تراجعت أسعار مختلف الأعيرة الأخرى، في مشهد يعكس تغيراً واضحاً في اتجاه السوق بعد فترة من التقلبات الحادة.
ويأتي هذا الانخفاض نتيجة تداخل مجموعة من العوامل الاقتصادية، في مقدمتها قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير، إلى جانب تراجع معدلات التضخم في الولايات المتحدة، وهو ما انعكس على حركة الذهب عالمياً، قبل أن تتفاعل معه السوق المصرية وفق خصوصيتها المرتبطة بسعر صرف الدولار وحجم الطلب المحلي.
ورغم أن ارتفاع الدولار أمام الجنيه المصري عادة ما يدفع أسعار الذهب إلى الصعود بسبب زيادة تكلفة الاستيراد والتسعير، فإن السوق المحلية شهدت هذه المرة سلوكاً مختلفاً، إذ لم ينجح صعود العملة الأميركية في تعويض الضغوط التي تعرض لها الذهب خلال الأسبوع، ما أدى إلى تسجيل تراجع واضح في الأسعار.
وسجل سعر غرام الذهب عيار 24 نحو 6777 جنيهاً، فيما بلغ سعر عيار 18 حوالي 5082 جنيهاً، بينما وصل سعر الجنيه الذهب إلى نحو 47.44 ألف جنيه، في وقت استقرت فيه الأوقية عالمياً عند مستويات تقارب 4045 دولاراً، وهو ما يعكس استمرار حالة التوازن النسبي في الأسواق الدولية رغم التقلبات الاقتصادية.
ويرى متابعون لقطاع المعادن الثمينة أن السوق المصرية أصبحت أكثر حساسية تجاه المتغيرات العالمية، خصوصاً في ظل ارتباطها المباشر بأسعار الذهب في البورصات الدولية، إضافة إلى تأثير حركة الدولار محلياً، الأمر الذي يجعل الأسعار تتغير بوتيرة أسرع من السابق.
وفي المقابل، يؤكد مختصون أن الطلب المحلي ما زال يمثل عاملاً رئيسياً في تحديد اتجاه الأسعار، إذ تؤدي زيادة الإقبال على الشراء أو تراجع المعروض إلى حدوث فروقات بين السعر المحلي والسعر العادل، وهي ظاهرة تتكرر بشكل طبيعي في مختلف الأسواق.
ووفق بيانات منصة “آي صاغة” المتخصصة في تداول الذهب والمجوهرات، فإن الفجوة السعرية بين السعر المحلي والسعر العادل تراوحت خلال الأسبوع بين 1.23% و2.53%، وهي نسب تعكس تغيرات العرض والطلب أكثر مما تعكس وجود اختلالات في آليات التسعير.
شاهد ايضاً
وأشار التقرير إلى أن سعر صرف الدولار مقابل الجنيه المصري واصل ارتفاعه التدريجي، بعدما صعد من 50.77 جنيهاً في 27 يوليو إلى 51.20 جنيهاً في 31 يوليو، بزيادة بلغت 0.43 جنيه، وهو ما أسهم في الحد من فرص تعافي أسعار الذهب محلياً رغم بعض التحركات الإيجابية التي شهدتها الأسواق العالمية.
كما أوضح التقرير أن الفجوة بين السعر المحلي والسعر العادل للذهب بلغت نحو 123.24 جنيهاً، بما يعادل 2.12%، وهي نسبة يعتبرها خبراء السوق ضمن الحدود الطبيعية التي تعكس توازن حركة البيع والشراء، دون أن تشير إلى اضطرابات استثنائية.
ويرى مراقبون أن المستثمرين أصبحوا أكثر حذراً في التعامل مع الذهب، إذ يتابعون عن كثب قرارات البنوك المركزية العالمية، وعلى رأسها مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، باعتبارها من أبرز العوامل المؤثرة في حركة المعدن النفيس، سواء عبر أسعار الفائدة أو توقعات التضخم.
كما أن استمرار تقلبات أسواق العملات وأسعار الطاقة يزيد من صعوبة توقع المسار المقبل للذهب، وهو ما يدفع كثيراً من المستثمرين إلى تبني استراتيجيات أكثر تحفظاً، انتظاراً لظهور مؤشرات اقتصادية جديدة قد تحدد الاتجاه القادم للأسواق.
ورغم التراجع الأخير، لا يزال الذهب يحافظ على مكانته كأحد أهم أدوات الادخار والتحوط بالنسبة للمصريين، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية وتقلبات أسعار الصرف، إذ يظل المعدن الأصفر خياراً مفضلاً لحفظ القيمة على المدى الطويل.
وتشير التقديرات إلى أن المرحلة المقبلة ستظل مرهونة بتطورات الاقتصاد العالمي، وحركة الدولار، وقرارات السياسة النقدية في الولايات المتحدة، إلى جانب مستويات الطلب داخل السوق المصرية، وهي عوامل ستحدد ما إذا كان الذهب سيواصل التراجع، أم سيستعيد جزءاً من خسائره خلال الأسابيع المقبلة.
ومع استمرار حالة الترقب، يبقى سوق الذهب في مصر أمام مرحلة جديدة تتسم بالحذر، حيث تتداخل المؤثرات المحلية والدولية بصورة غير مسبوقة، ما يجعل حركة الأسعار أكثر ارتباطاً بالتغيرات الاقتصادية العالمية، ويضع المستثمرين والمستهلكين أمام تحديات تتطلب متابعة دقيقة لكل المستجدات قبل اتخاذ قرارات الشراء أو البيع.
Post Views: 20







