أثار أحدث إصدار من مؤشر بيج ماك الصادر عن مجلة الإيكونوميست اهتماما واسعا بعد أن أشار إلى أن القيمة العادلة للجنيه المصري تبلغ نحو 23 جنيها مقابل الدولار، بينما يتداول الدولار فعليا عند مستويات تتجاوز 50 جنيها وهو ما دفع الكثيرين للتساؤل هل السعر الحقيقي للدولار في مصر هو 23 جنيها أم أن هناك ما هو أبعد من ذلك.
هل مؤشر بيج ماك أداة حقيقية لتسعير الدولار؟
من جانبه، قال الدكتور محمد الجوهرى الخبير الاقتصادى ورئيس مركز أكسفورد للدراسات والبحوث الاقتصادية، إنه في البداية يجب التأكيد أن مؤشر بيج ماك ليس مؤشرا لتحديد سعر صرف العملات في الأسواق وليس أداة تستخدمها البنوك المركزية لتسعير الدولار وإنما هو مؤشر مبسط يعتمد على نظرية تعادل القوة الشرائية والتي تقوم على مقارنة سعر سلعة واحدة وهي شطيرة بيج ماك بين مختلف دول العالم لمعرفة مدى ارتفاع أو انخفاض قيمة العملات.
وأوضح الجوهرى، أن فكرة المؤشر تقوم على أن السلعة نفسها إذا كانت تباع في الولايات المتحدة بسعر معين وفي مصر بسعر أقل كثيرا فإن ذلك يعكس أن القوة الشرائية للعملة المحلية أعلى مما يظهره سعر الصرف الرسمي وبالتالي تبدو العملة أقل من قيمتها الحقيقية عند المقارنة النظرية.
كيفية تحديد سعر الدولار؟
وتابع الخبير الاقتصادى، :”لكن الواقع الاقتصادي أكثر تعقيدا من ذلك لأن سعر الدولار لا يتحدد فقط وفقا لأسعار السلع وإنما تحدده مجموعة كبيرة من العوامل الاقتصادية والمالية في مقدمتها حجم الطلب على الدولار وحجم المعروض منه وقيمة الواردات والصادرات والاستثمارات الأجنبية ومستوى الاحتياطي النقدي وأسعار الفائدة وخدمة الدين الخارجي والأوضاع الاقتصادية العالمية والمخاطر الجيوسياسية”.
شاهد ايضاً
القوة الشرائية
وأكمل :”ولهذا فإن القول بأن السعر الحقيقي للدولار هو 23 جنيها يعد استنتاجا غير دقيق لأن مؤشر بيج ماك لا يقيس حركة أسواق النقد ولا يعكس تدفقات العملات الأجنبية ولا يقيس قدرة الاقتصاد على توفير الدولار وإنما يقارن فقط بين القوة الشرائية المحلية في الدول المختلفة، وفي حالة مصر فإن انخفاض تكلفة العمالة والإنتاج والخدمات والإيجارات مقارنة بالولايات المتحدة يجعل سعر بيج ماك أقل بصورة كبيرة وهو ما يؤدي إلى ظهور الجنيه وكأنه أقل من قيمته وفقا لهذا المقياس”.
ؤشر بيج ماك يظل مؤشرا اقتصاديا مهما
وشدد الدكتور محمد الجوهرى، على أن هناك اختلافات كبيرة بين الاقتصادات تجعل المقارنة المباشرة غير كاملة لأن الضرائب وتكاليف النقل ومستويات الأجور والإنتاجية وهيكل الأسواق تختلف من دولة إلى أخرى ولذلك لا يمكن الاعتماد على مؤشر واحد لتقييم القيمة العادلة للعملات، ورغم ذلك فإن مؤشر بيج ماك يظل مؤشرا اقتصاديا مهما لأنه يقدم صورة مبسطة عن القوة الشرائية للعملات ويساعد في فهم الفروق بين الاقتصادات كما أنه يلفت الانتباه إلى أن انخفاض تكلفة المعيشة والإنتاج في مصر يمنح الجنيه قوة شرائية محلية أكبر من تلك التي يعكسها سعر الصرف الخارجي.
توازن العرض والطلب
وأكد الجوهرى، أنه فى النهاية يمكن القول إن مؤشر بيج ماك لا يقول إن الدولار يجب أن يصبح 23 جنيها في مصر وإنما يقول إن الجنيه المصري يبدو أقل من قيمته إذا تمت المقارنة وفقا للقوة الشرائية فقط أما السعر الفعلي للدولار فيحدده توازن العرض والطلب على النقد الأجنبي والسياسات النقدية والمالية وتدفقات الاستثمار والتجارة الخارجية وليس سعر شطيرة همبرجر، وتابع:”ويبقى الدرس الأهم أن تقييم العملات يحتاج إلى النظر لمجموعة واسعة من المؤشرات الاقتصادية وليس إلى مؤشر واحد مهما بلغت شهرته لأن الاقتصاد الحقيقي أكثر تعقيدا من أن يختزل في سلعة واحدة”.








