تنحني فدوى بجسدها المنهك فوق بقايا موقد طيني بدائي الصنع، وتدفع بكفيها اللتين كستهما حروق صغيرة ورماد داكن، كومة من الرماد البارد لتغطي بها بضع جمرات باقية من حطب الليلة الماضية.

تتحرك أصابعها بحذر شديد وببطء مفرط كمن يخبئ كنزاً ثميناً تحت التراب، فانطفاء هذه الجمرة الصغيرة تحت ركام الرماد يعني كارثة حقيقية مع أول خيوط الصباح.

يعني أن طفلها الرضيع سيبكي جوعاً لساعات عدة، بينما تطوف هي بين أزقة الخيام الممتدة في مواصي خان يونس، مستجدية الجيران للحصول على “قداحة” من أجل شرارة نار، وإذا لم تجد فإنها تضطر إلى خوض رحلة بحث شاقة ومكلفة عن وسيلة إشعال في قطاع باتت فيه الولاعات سلعة أبعد من المنال.

في مخيمات النزوح لم تعُد التفاصيل اليومية البسيطة تمر عفو الخاطر، بل أعيدت صياغة قيمتها بالكامل تحت وطأة الحصار المطبق. فالأداة البلاستيكية الصغيرة ولاعة السجائر العادية التي كانت تلقى إهمالاً في أدراج البيوت، وتُنسى على الطاولات من دون أن يكترث أحد بفقدانها، كانت سلعة زهيدة متوافرة في كل دكان.

هذا السعر الخيالي جعل من “الولاعة” السلعة الأغلى عالمياً مقارنة بحجمها وقيمتها الحقيقية، لتتحول من أداة يومية للمدخنين إلى مقتنى استراتيجي ثمين يرتبط به مصير وجبة الطعام الساخنة وزجاجة حليب الأطفال.

تربعت الولاعة على العرش في غزة، بعد غياب غاز الطهي وانقطاع التيار الكهربائي بالكامل عن خيام النازحين، وهذا الحرمان الشديد دفع مئات آلاف العائلات إلى الاعتماد الكلي على إيقاد الحطب والكرتون والأوراق لإعداد أبسط الوجبات اليومية، مما جعل من “نقرة الشعلة” عصب البقاء داخل الخيمة.

ومع إغلاق المعابر ومنع دخول البضائع العامة، جفت الأسواق تماماً من الولاعات الجديدة، لتصبح القداحات القديمة بمثابة عملة نادرة وثمينة يتداولها النازحون بحذر شديد.

الأغلى في العالم

قبل أشهر الحرب التي أقحمت غزة في غياهب البدائية، كان شراء ولاعة جديدة لا يمثل أي عبء مالي يذكر على الأسر، إذ لم تكُن تتجاوز قيمتها 13 سنتاً من الدولار، وهو المبلغ الزهيد الذي كان كافياً لشراء ثلاث قداحات دفعة واحدة.

بسبب الحرب والحصار الذي سد منافذ الحياة وأغلق المعابر كلياً في وجه البضائع التجارية، ارتفع ثمن القداحات البلاستيكية ذات الجودة الرديئة ليصل إلى 32 دولاراً أميركياً للولاعة الواحدة، وهذا أعلى سعر لها عالمياً لدى مقارنة سعر المنتج ذاته مع أسعار بيعه إلى المستهلك دولياً.

اضطرت العائلات إلى الاعتماد الكلي على إيقاد الحطب والكرتون لإعداد الطعام في غزة (أ ف ب)

نتيجة لظروف غزة، تحولت القداحة البلاستيكية المهترئة إلى أداة تُحفظ في الصناديق الخشبية الصغيرة المقفلة، ولا تعار حتى لأقرب الجيران إلا لدقائق معدودة وتحت مراقبة شديدة، خشية نفاد أنفاس غازها الأخيرة.

بعد انقطاع خطوط الإمداد وولادة “اقتصاد الحرب” برز تباين مرعب في القدرة الشرائية، فالنازح الذي يقضي يومه باحثاً عن فرصة عمل بدائية أو مساعدات إغاثية مجانية لإطعام عائلته، يجد نفسه أمام معادلة مستحيلة عندما تعادل قيمة نقرة ولاعة واحدة موازنة قوته اليومي بأكمله.

تقول فدوى “النازحون يعتمدون على بسطات الشوارع لدفع ثمن النقرة الواحدة لإشعال موقدهم إذا لم يملكوا ثمن شراء ولاعة كاملة، في السابق، لو أخبرني أحد بأنني سأدفع 32 دولاراً، لظننته مجنوناً”.

وتضيف “اليوم نموت من القهر والبطالة، ونحسب ألف حساب قبل أن نشتري الولاعة لأن ثمنها يعني حرمان أطفالنا من عشاء يوم كامل”.

وتتابع حديثها “الولاعة لم تعُد مجرد أداة لإشعال السيجارة أو الموقد، أصبحت هنا مثل الذهب، نقفل عليها في الصناديق ولا نعيرها لأحد، لأن نقرة واحدة تذهب هباءً في الهواء تعني خسارة سنتات نجمعها بشق الأنفس وسط هذه الظروف القاسية”.

حراس النار

تقف سهام عند باب خيمتها المتهالكة، وتشاغل عيناها القلقتان ممر المخيم الترابي الضيق، بانتظار عودة طفلتها الصغيرة التي أرسلتها قبل قليل لإحضار شعلة نار، وهي مهمة تبدو بسيطة في أي مكان آخر من العالم، لكنها هنا في غزة أشبه بمغامرة.

لا كهرباء ولا غاز طهي في غزة، لذلك اضطرت العائلات إلى الاعتماد الكلي على إيقاد الحطب والكرتون لإعداد الطعام، وتحولت تفاصيل الجيرة إلى طقوس بديلة تولد من رحم الرماد.

تصف سهام هذا الواقع، قائلة “في مخيمات النزوح، الجيرة الطيبة باتت تقاس بجمرة نار، عندما لا نملك قداحة، أضطر إلى إرسال ابنتي بعلبة معدنية فارغة إلى خيام الجيران لنقل بضع جمرات مشتعلة من مواقدهم”.

وتضيف “نركض بالنار بين قماش الخيام سريع الاشتعال، ونعلم أن هذا خطر وقد يتسبب بكارثة، لكن غياب غاز الطهي وارتفاع أسعار القداحات جعلانا مجبرين على معايشة هذا الخطر يومياً لمجرد إعداد رغيف خبز”.

هذا السلوك جاء نتيجة لتحول الولاعة البلاستيكية من سلعة مهملة إلى مقتنى ثمين جداً يقفل عليه في الصناديق ولا يعار، وتضيف سهام “لا أحد يلوم الجيران إن رفضوا إعارتنا ولاعتهم لنأخذها إلى خيمتنا”.

وتكمل أن “سقوط القداحة على الأرض أو نفاد أنفاس غازها الأخيرة هباءً يعني خسارة 32 دولاراً فجأة، وهو مبلغ تراه العائلات النازحة ضخماً، لهذا السبب تراجع مفهوم استعارة الولاعة، وتعلمنا جميعاً أن نطلب من بعضنا جمرة مشتعلة بدلاً من أن نطلب نقرة قداحة”.

تحولت القداحة البلاستيكية المهترئة إلى أداة تُحفظ في الصناديق الخشبية الصغيرة المقفلة (أ ف ب)

مغامرات التدخين

البحث عن “النقرة الأولى” بالنسبة إلى آلاف المدخنين في القطاع تحول إلى معركة كبرياء ومغامرة اقتصادية خطرة وغير مأمونة العواقب، إذ تحول التدخين من عادة يومية سيئة إلى عبء مالي مرعب يهدد موازنة الأسرة بأكملها، فقد قفزت أسعار السجائر والتبغ بفعل الاحتكار وتوقف الاستيراد إلى مستويات جنونية تجعل إشعال السيجارة طقساً مكلفاً يقارب ثمنها الفلكي ذاته.

على عتبة خيمة، يجلس خليل مفلساً لا يملك في جيبه سوى بضعة سنتات، يفكر في مفارقة مريرة وعجيبة فرضتها هذه الحرب البدائية.

يمسك خليل بحسرة شديدة سيجارة “لف” وحيدة باقية بين أصابعه، تجاوز سعرها في الأسواق أرقاماً فلكية مرعبة، ثم يخرج من جيبه قداحته البلاستيكية القديمة.

يضغط بإبهامه المجهد على زر الإشعال مرة تلو الأخرى، لكن من دون جدوى، فمن كثرة النقر عليها طوال أشهر النزوح، تعطل حجر الإشعال وتآكلت عجلتها المعدنية تماماً لتخرج أنفاساً باردة من الغاز من دون أية شرارة.

يرمي خليل الولاعة الميتة أرضاً، فليس معه 32 دولاراً من أموال عائلته الشحيحة لشراء قداحة جديدة رديئة الصنع، ويرفض كذلك الاصطفاف اليومي لدفع ثمن “النقرة العابرة” عند بسطات الشوارع.

ابتكر خليل حلولاً بدائية وعشوائية كادت أن تودي بحياة أسرته، ويقول “في غزة شراء السيجارة يحتاج إلى قرض، وإشعالها بات يتطلب معجزة”.

يستذكر خليل “قبل ليلتين، وأمام رغبتي القاتلة في التدخين بعدما خذلتني ولاعتي، قررت ابتكار شرارة كهربائية بنفسي، أحضرت الأسلاك الدقيقة الموصولة ببطارية الطاقة الشمسية وقمت بملامستها ببعضها فوق طرف السيجارة”.

النتيجة كانت صاعقة ومفاجئة، إذ حدث التماس كهربائي أدى إلى تفحم الأسلاك الموصولة فوراً وتلف البطارية لتدخل خيمته في ظلام دامس، يبتسم خليل بسخرية مريرة وهو يشير بيده إلى حطام البطارية التالفة بجواره.

ويضيف “أردت إشعال سيجارة بقيمة 50 دولاراً، فأطفأت خيمتي بأكملها وحرمت أطفالي من الضوء، لقد دفعت عائلتي بأكملها ثمن تلك الشعلة المستحيلة بسبب ولاعة معطلة”.

هذا العجز العام عن توفير ثمن القداحات، لم يترك للمدخنين خياراً سوى الرضوخ لبدائل أخرى عشوائية خلال ساعات النهار، فيطوف بعضهم بين الخيام مستخدمين عدسات مكبرة قديمة مستخرجة من حطام البيوت، ويحاولون تركيز أشعة الشمس الحارقة على أطراف السجائر لدقائق طويلة، لعل الشعلة تولد من لا شيء”.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

مستشفيات البلاستيك

هذه الولاعات الميتة التي تقذفها أيدي المدخنين المحبطين مثل خليل، أو تبكي العائلات نفاد غازها وتلف أجزائها، لا تجد طريقها النهائي إلى سلة المهملات.

تُساق نحو ما يشبه “مستشفيات البلاستيك” المنتشرة على أرصفة الأسواق المكتظة، ففي بيئة جفت فيها الأسواق تماماً من أية تدفقات تجارية جديدة بفعل إغلاق المعابر، أصبح التخلص من أية قطعة بلاستيكية بمثابة هدر لثروة لا تعوض.

في سوق دير البلح، وعلى رصيف يضج بالحركة والغبار والنازحين، يدير الشاب إياد غرفة صيانة بدائية ومبتكرة لإعادة الحياة لتلك الهياكل البلاستيكية الصغيرة.

يجلس خلف بسطة خشبية متواضعة، واضعاً نظارة طبية سميكة تساعده في فحص القطع المتناهية الصغر التي تتطلب دقة متناهية.

تتبعثر أمامه مفكات مجهرية وملاقط معدنية وصناديق كرتونية صغيرة تحوي مئات الهياكل الملونة والمنزوعة الأجزاء التي يجمعها أو يشتريها من الفتية الذين يبحثون عنها بين النفايات وركام البيوت المهدمة.

مهنة إياد التي ولدت من رحم الحصار الخانق تعتمد كلياً على التدوير، فهو يقوم بفرز القداحات التالفة، ليفكك صمامات الغاز الصالحة من واحدة، وينتزع عجلات الشرر من ثانية، ويزيل أحجار الإشعال المتآكلة ليركب مكانها أحجاراً فرنسية قديمة استخرجها من ولاعات مهترئة، وبذلك يبث الروح في هياكل ميتة مجدداً.

ويقول “الحرب فرضت علينا هندسة من نوع آخر، فالقداحة التي كانت تُرمى في النفايات سابقاً من دون تفكير، أصبحت اليوم مقتنى ثميناً يستحق الخضوع لجراحة دقيقة لإحيائه”.

ويضيف “أحياناً أُمضي نصف ساعة وأنا أجمع أجزاء من ثلاث أو أربع ولاعات تالفة ومحطمة لأصنع منها في النهاية ولاعة واحدة صالحة للعمل وتعطي نقرة شعلة مضمونة”.

لكن التحدي الأكبر في “مستشفى إياد” ليس تفكيك الهياكل أو تبديل الأحجار، بل عملية تعبئة الغاز يدوياً، إذ إنه يربط الولاعات الفارغة عبر أنابيب مطاطية رفيعة وصمامات نحاسية مصنعة محلياً بأسطوانات غاز طهي قديمة ومتهالكة باقية لدى بعض المواطنين من مخلفات ما قبل الحرب، ليضخ الغاز بضغط يدوي وحذر فائق. وهذه العملية قد تصحبها أخطار الانفجار المفاجئ أو اشتعال النيران في يده وصدره وسط سوق شعبية مزدحمة بآلاف النازحين.

تصل كلفة عملية إنعاش الولاعة الواحدة وتغيير حجرها وتعبئتها بالغاز مجدداً إلى قرابة 10 دولارات أميركية، وهي كلفة تفوق سعر أكثر ولاعة فاخرة ثمناً ومعروضة في كبرى العواصم.

يسلّم إياد ولاعة زرقاء لمعت شعلتها مجدداً إلى زبونه المقيم في المخيم، متمتماً “الحرب جعلتنا نصلح حتى الهواء ونعيد تدوير المستحيل لمجرد البقاء، فالأمر لم يعُد يتعلق بإشعال السجائر، بل بإبقاء الحياة مشتعلة تحت الخيام بكل الطرق الممكنة”.

الحصار والمواد “المزدوجة الاستخدام”

هذا المسعى المجتمعي لهندسة الشرارة وصيانة البلاستيك ليس عبثاً، وإنما النتيجة المباشرة لسياسة خنق المعابر والتحكم بأدق تفاصيل الحياة في غزة.

منذ بدء الحرب، أغلقت إسرائيل خطوط الإمداد التجاري تماماً في وجه البضائع العامة، وتصنف المعابر الأدوات البدائية البسيطة مثل ولاعات السجائر ومكوناتها المعدنية أو علب الكبريت ضمن قائمة المواد “مزدوجة الاستخدام” الممنوعة كلياً من الدخول.

ويرجع مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي في غزة إسماعيل الثوابتة هذا الانهيار الجنوني في منظومة السلع الأساسية البسيطة إلى هندسة تجويع وخنق ممنهجة تمارسها إسرائيل.

ويقول “ما يحدث في الأسواق سياسة تعتمد على تفريغ غزة من مقومات البقاء البسيطة لإنهاك الحاضنة الشعبية، إسرائيل تعتمد تدمير الدورة الاقتصادية داخل القطاع عبر منع المواد الأساسية والسلع المدنية التافهة التي لا تشكل أي خطر أمني”.

ويضيف أن “تحويل أداة كالقداحة البلاستيكية إلى حلم بعيد المنال يعكس رغبة في العودة بالمجتمع للبدائية المطلقة، وهذا المنع المتعمد هو المسؤول الأول عن ولادة سوق سوداء احتكارية يدفع ثمنها النازح الفقير وتل أبيب تتحمل المسؤولية الكاملة”.

في المقابل، ترفض الجهات الإسرائيلية الرسمية هذه الرواية، ويقول منسق أنشطة الحكومة الإسرائيلية يورام هليفي “المعابر تعمل وفق آليات تضمن تدفق كميات من السلع المخصصة للقطاع الخاص، إلا أن المشكلة الحقيقية تكمن في استيلاء عناصر تابعين لحركة ’حماس‘ على الشحنات التجارية والمساعدات فور عبورها، وإعادة طرحها في السوق السوداء بأسعار احتكارية فلكية لتمويل نشاطاتهم”.

ويضيف أن “القيود التي تفرض على مواد معينة مثل التبغ أو مستلزمات الاشتعال التي يمكن تفكيكها، لا تستهدف المدنيين. فمن ناحية، أحبط مفتشونا محاولات تهريب منظمة لمواد محظورة أخفيت داخل علب الأغذية، ومن ناحية أخرى، ثبت لدينا أن ’حماس‘ تحاول السيطرة المطلقة على أسواق هذه السلع وتفرض عليها جبايات باهظة لإنعاش خزائنها المالية، وهو السبب الفعلي وراء حرمان العائلات النازحة منها وتحويلها إلى مقتنيات باهظة الثمن”.