تبدو بعض أكبر البنوك المركزية في العالم مطمئنة إلى أن أسواق السندات تؤدي مهام السياسة النقدية نيابةً عنها.
فقد أشار كل من مجلس الاحتياطي الفيدرالي وبنك إنجلترا إلى أن الارتفاع الأخير في عوائد السندات يتيح لهما إبقاء أسعار الفائدة دون تغيير، والانتظار لمعرفة ما إذا كان صعود أسعار الطاقة، الناجم عن الحرب الأميركية المتقطعة في إيران، سيتحول إلى صدمة أسعار حقيقية.
ومع انتقال ارتفاع عوائد السندات الحكومية إلى الاقتصاد الأوسع عبر زيادة تكاليف الاقتراض على الشركات وأصحاب المنازل، تتراجع الحاجة الفورية إلى رفع فعلي لأسعار الفائدة.
جسد رئيس الاحتياطي الفيدرالي، كيفن وارش، نهج عدم التدخل الأربعاء، حين أبقى أسعار الفائدة دون تغيير، موضحاً أن تشديد الأوضاع المالية نجم جزئياً عن تقليص المجلس لتوجيهاته المستقبلية. وأضاف أن ذلك يعني أن الأسواق باتت الآن “تتحكم في الوضع، لا في قرارات الحكم”، لكن هذا المنطق لا يحظى بإجماع.
وقال جورج موران، استراتيجي الاقتصاد الكلي الأوروبي لدى “آر بي سي كابيتال ماركتس” (RBC Capital Markets): “التشديد الذي تقوده الأسواق محدود جداً مقارنة بدورات رفع الفائدة السابقة، ولا يمكن للبنوك المركزية الاعتماد عليه وحده إذا امتدت الصدمة على نطاق أوسع إلى التضخم”.
الفيدرالي يراهن على التريث
ومع ما تسببت فيه حرب إيران من تقلبات حادة في أسعار النفط العالمية، يبدو تريث البنوك المركزية العالمية منطقياً إلى أن تتضح وجهة توقعات التضخم. لكن تجربة مطلع العقد الحالي، حين تزامنت إغلاقات الجائحة مع قفزة أسعار الطاقة عقب الحرب الروسية الأوكرانية، أظهرت أن تأخر التحرك قد يزيد صعوبة كبح تسارع الأسعار.
يحذر بعض مراقبي مجلس الاحتياطي الفيدرالي من أن وارش وزملاءه قد يطيلون الانتظار هذه المرة أيضاً، ما قد يفرض لاحقاً تحركاً أكثر حدة يرفع تكاليف الاقتراض ويضغط على النمو الاقتصادي.
لكن البيانات الحديثة دعمت نهج التريث، إذ تراجعت أسعار المستهلك في الولايات المتحدة خلال يونيو للمرة الأولى منذ ست سنوات. ومع ذلك، ظلت مؤشرات التضخم السنوية مرتفعة، مع صعود المؤشر العام 3.5% مقارنة بالعام السابق، وزيادة المؤشر الأساسي 2.6%.
وقال إيان لينجن، رئيس استراتيجية أسعار الفائدة الأميركية لدى “بي إم أو كابيتال ماركتس” (BMO Capital Markets): “يفضل وارش إبقاء أسعار الفائدة دون تغيير لأن السوق تتولى جانباً كبيراً من مهمة التشديد. لكن في المقابل لن تواصل السوق أداء هذا الدور بفاعلية لصالح الفيدرالي لفترة طويلة دون رؤية خطوات فعلية في السياسة النقدية”.
منحنى عائد السندات
سجل منحنى عائد سندات الخزانة أكبر انحدار له منذ نحو عام عقب المؤتمر الصحفي الذي عقده وارش الأربعاء، بعدما جاء ارتفاع عوائد السندات قصيرة الأجل أبطأ من نظيراتها الأطول أجلاً. ورغم بعض التسطح خلال تداولات الاثنين، ظل فارق العائد أعلى بوضوح من مستواه قبل اجتماع الاحتياطي الفيدرالي.
وقالت إليزابيت كوبلمان، الاقتصادية الأميركية لدى “سكاندينافيسكا إنسكيلدا بانكن” (Skandinaviska Enskilda Banken AB)، إن مثل هذه التحركات “تزيد الضغوط على الاحتياطي الفيدرالي للوفاء بهذه التوقعات في النهاية”.
شاهد ايضاً
في بريطانيا، سجل الفارق بين عوائد السندات لأجل عامين و30 عاماً الخميس أكبر تحرك منذ مارس، مدفوعاً أولاً بالتحول في الولايات المتحدة، ثم بإشارة بنك إنجلترا إلى استبعاد رفع أسعار الفائدة قريباً.
وقال محافظ بنك إنجلترا، أندرو بيلي، إن تشديد الأوضاع المالية بفعل الحرب في الشرق الأوسط، إلى جانب صعود منحنى العائد، “يكبحان أي ضغوط تضخمية ناشئة”.
المركزي الأوروبي يستفيد من الأسواق
حتى البنك المركزي الأوروبي، الذي رفع أسعار الفائدة بالفعل ويُتوقع أن يكرر الخطوة في سبتمبر، أقر بأن تحركات الأسواق تدعم السياسة النقدية. فقد أشارت رئيسته كريستين لاغارد، خلال مؤتمر صحفي في 23 يوليو، إلى أن “الأسواق المالية الأكثر تقلباً وعزوفاً عن المخاطرة قد تُضعف الطلب، وبالتالي تسهم أيضاً في خفض التضخم”.
وترى إيفلين غوميز ليتشي، استراتيجة الأصول المتعددة لدى “ميزوهو إنترناشونال” (Mizuho International)، أن ترك الأسواق تؤدي هذا الدور يعكس قدراً من الحصافة لدى البنوك المركزية.
وقالت: “لا تستطيع البنوك المركزية معالجة صدمة أسعار الطاقة برفع أسعار الفائدة، لذلك من المنطقي أن تتحلى بالحذر قبل الإقدام على زيادات فعلية”.
بنك اليابان يلوح برفع الفائدة
في المقابل، يركز بنك اليابان على سوق العملات، بعدما أسهم ضعف الين في زيادة الضغوط التضخمية. وبينما أبقى المحافظ كازو أويدا وزملاؤه سعر الفائدة القياسي عند 1% الجمعة، تدخلت وزارة المالية في سوق الصرف لدعم العملة المتراجعة.
وأشار أويدا إلى استعداده لاستخدام أسعار الفائدة إذا اتسعت ضغوط الأسعار، فيما أبقت نبرته المتشددة خلال المؤتمر الصحفي الذي أعقب القرار احتمال رفع الفائدة في سبتمبر قائماً.
في الوقت نفسه، يحذر بعض مسؤولي البنوك المركزية من أن الاعتماد على سوق السندات وحدها لن يكون كافياً لكبح التضخم. فقد قال جيمس سميث، الاقتصادي المختص بالأسواق المتقدمة لدى “آي إن جي” (ING): “يكمن الخطر في أن تضطر البنوك المركزية، في مرحلة ما، إلى ترجمة تصريحاتها إلى أفعال لإبقاء توقعات التضخم تحت السيطرة”.
المصدر:
اقتصاد الشرق







