منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، اعتادت الولايات المتحدة أن تدخل الحروب وهي تمتلك ثلاثة عناصر حاسمة: التفوق العسكري، والتفوق الاقتصادي، والتفوق النفسي. كان خصومها يعرفون أن المواجهة معها تعني، في نهاية المطاف، الرضوخ لإرادتها أو دفع ثمن باهظ يفوق القدرة على الاحتمال.
لكن الحروب الأخيرة، من أفغانستان إلى العراق، ثم أوكرانيا، وصولاً إلى المواجهة مع إيران، كشفت أن امتلاك القوة لا يعني دائماً القدرة على تحويلها إلى انتصار سياسي.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى في السياسة الدولية: قد تربح الدولة كل معاركها العسكرية، لكنها تخسر الحرب إذا لم تستطع تحويل الإنجاز العسكري إلى نظام سياسي مستقر.
لقد انتصرت الولايات المتحدة عسكرياً في بغداد عام 2003 خلال أسابيع، لكنها أمضت سنوات تبحث عن مخرج من العراق. وأسقطت نظام طالبان خلال أشهر، لكنها بعد عشرين عاماً خرجت من أفغانستان تاركة طالبان تعود إلى الحكم.
هذه التجارب أصبحت جزءاً من الذاكرة الاستراتيجية الأمريكية، ولذلك لم تعد واشنطن تنظر إلى أي حرب بوصفها مجرد عملية عسكرية، بل بوصفها مشروعاً سياسياً طويل الأمد قد يتحول إلى عبء على الداخل الأمريكي نفسه.
ترامب… بين خطاب القوة وقيود الواقع
في الخطاب السياسي، يظهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بصورة الرجل الذي لا يتردد في استخدام القوة، ويقدم نفسه على أنه قادر على فرض الإرادة الأمريكية بالقوة العسكرية والضغط الاقتصادي.
لكن داخل المؤسسات العسكرية والأمنية، تبدو الصورة أكثر تعقيداً.
فالتقارير التي تسربت خلال الأسابيع الأخيرة تشير إلى أن البنتاغون وضع خططاً واسعة لاستهداف منشآت عسكرية ونووية وبنى تحتية إيرانية، إلا أن هذه الخطط اصطدمت بتقديرات المؤسسة العسكرية التي حذرت من كلفة الحرب واحتمال استنزاف مخزون الصواريخ الاعتراضية، ولا سيما منظومات باتريوت، إضافة إلى المخاطر التي قد تتعرض لها القواعد الأمريكية المنتشرة في الخليج الفارسي والعراق وسوريا.
وهذا يعني أن القرار الأمريكي لم يعد قراراً سياسياً صرفاً، بل أصبح قراراً تحكمه معادلة الكلفة والقدرة على الاستمرار.
إن القوة، مهما بلغت، ليست مورداً لا ينضب.
المعضلة الأمريكية الجديدة
المشكلة التي تواجه واشنطن اليوم ليست في قدرتها على ضرب إيران.
فلا أحد يشك في أن الولايات المتحدة تستطيع تنفيذ ضربات واسعة ومؤلمة.
لكن السؤال الحقيقي هو:
هل تستطيع تحمل نتائج هذه الضربات؟
فإيران ليست العراق عام 2003، ولا ليبيا عام 2011.
إنها دولة تمتلك مساحة جغرافية هائلة، وبنية صناعية عسكرية، وشبكة من الحلفاء، وقدرات صاروخية، ونفوذاً يمتد إلى أكثر من ساحة إقليمية.
ولهذا، فإن أي حرب واسعة لن تبقى داخل الحدود الإيرانية.
فقد تمتد إلى مضيق هرمز، وإلى البحر الأحمر، وإلى القواعد الأمريكية في العراق وسوريا، وربما إلى العمق “الإسرائيلي” نفسه.
وهنا تبدأ الحسابات بالتغير.
اقتصاد الحرب… الوجه الآخر للمعركة
قد يظن البعض أن الحروب تُحسم بالسلاح فقط.
لكن التاريخ يعلمنا أن الاقتصاد هو الوقود الحقيقي لكل حرب طويلة.
فالولايات المتحدة تواجه اليوم ديناً عاماً غير مسبوق، وتضخماً يضغط على الاقتصاد، ومنافسة تجارية مع الصين، واستنزافاً مالياً بسبب الحرب الأوكرانية.
ولهذا، فإن فتح حرب طويلة في الشرق الأوسط يعني إضافة عبء جديد على الاقتصاد الأمريكي، وعلى دافع الضرائب الأمريكي، وعلى الصناعات العسكرية التي بدأت تستهلك مخزوناتها بوتيرة مرتفعة.
لقد تغيرت طبيعة الحروب.
في الماضي كانت المصانع تنتج أسرع مما تُستهلك الذخائر.
أما اليوم، فإن سرعة الاستهلاك في الحروب الحديثة أصبحت في كثير من الأحيان أكبر من قدرة المصانع على التعويض السريع، خصوصاً فيما يتعلق بالصواريخ الدقيقة ومنظومات الدفاع الجوي.
وهذا ما يجعل الاستنزاف سلاحاً بحد ذاته.
الحصار البحري… البديل عن الحرب الشاملة
حين تعجز القوة عن تحقيق أهدافها بسرعة، تبدأ بالبحث عن أدوات أقل كلفة.
ولهذا، يبدو أن واشنطن ستعتمد بصورة متزايدة على الحصار البحري، وتشديد العقوبات، والضغط على صادرات النفط الإيرانية، ومحاولة تضييق حركة التجارة، بدلاً من الانخراط في حرب برية أو حملة جوية مفتوحة.
فالهدف الأمريكي قد لا يكون إسقاط النظام الإيراني، بل دفعه إلى التفاوض من موقع أضعف.
شاهد ايضاً
لكن هذا الخيار بدوره يواجه تحديات كبيرة.
فإيران أثبتت خلال العقود الماضية قدرة ملحوظة على التكيف مع العقوبات، كما أن وجود الصين بوصفها مستورداً رئيسياً للنفط الإيراني يحد من فعالية سياسة العزل الكامل.
ومن هنا، فإن الحصار قد يبطئ الاقتصاد الإيراني، لكنه لا يبدو كافياً وحده لتحقيق الأهداف السياسية الأمريكية.
بين المؤسسة العسكرية والبيت الأبيض
من السمات اللافتة في هذه الحرب أن المؤسسة العسكرية الأمريكية تبدو أكثر حذراً من بعض الخطابات السياسية.
فالجنرالات ينظرون إلى الخرائط، وإلى أعداد الصواريخ، وإلى خطوط الإمداد، وإلى جاهزية القواعد، وإلى احتمالات الرد.
أما السياسي، فينظر أيضاً إلى الانتخابات، والرأي العام، وصورة القوة، وهيبة الدولة.
وعندما تتباعد الحسابات بين الطرفين، تبدأ القرارات بالتباطؤ.
وهذا ما يفسر التردد الذي ظهر أكثر من مرة في الانتقال من التهديد إلى التنفيذ.
فالقرار العسكري ليس مجرد ضغط على زر، بل هو حساب معقد يبدأ بالسؤال:
كيف تبدأ الحرب؟
وينتهي بالسؤال الأصعب:
كيف تنتهي؟
هل تريد واشنطن الحرب أم التسوية؟
الإجابة ليست بسيطة.
فالولايات المتحدة تريد ممارسة أقصى درجات الضغط، لكنها لا تريد حرباً تخرج عن السيطرة.
وتريد إضعاف إيران، لكنها لا تريد انهيار المنطقة اقتصادياً.
وتريد حماية إسرائيل، لكنها لا تريد أن تتحول قواعدها المنتشرة في المنطقة إلى أهداف يومية.
وتريد تطبيعاً سعودياً مع إسرائيل، لكنها تدرك أن الحرب المفتوحة قد تجعل هذا الهدف أكثر صعوبة لا أكثر سهولة.
ولهذا، فإن واشنطن تتحرك اليوم بين مسارين متوازيين:
الأول، إبقاء العصا العسكرية مرفوعة.
والثاني، ترك الباب مفتوحاً أمام أي تسوية تحفظ لها الحد الأدنى من أهدافها.
الفلسفة الأمريكية الجديدة… إدارة الصراع بدلاً من إنهائه
ربما يكون أهم تحول في التفكير الأمريكي هو الانتقال من مفهوم حسم الصراع إلى مفهوم إدارة الصراع.
فبدلاً من البحث عن انتصار نهائي، أصبح الهدف منع الخصم من تحقيق انتصار، والحفاظ على ميزان قوى يسمح باستمرار النفوذ الأمريكي.
لكن هذه الاستراتيجية تحمل في داخلها تناقضاً خطيراً.
فالصراعات التي تُدار ولا تُحل، تتحول مع الزمن إلى بؤر دائمة للتوتر، وتستهلك موارد الجميع، وقد تلد أزمات أكبر من الأزمة الأصلية.
وهنا يبرز السؤال الفلسفي الذي سيحدد مستقبل هذه الحرب:
هل تستطيع الإمبراطورية أن تحافظ على قيادتها للعالم عبر إدارة الأزمات إلى ما لا نهاية، أم أن كثرة الجبهات ستجعل إدارة الصراع نفسها سبباً في تآكل النفوذ؟
لقد أثبت التاريخ أن الإمبراطوريات لا تسقط دائماً لأنها هُزمت في معركة، بل لأنها وصلت إلى لحظة أصبحت فيها كلفة الحفاظ على الإمبراطورية أعلى من الفائدة التي تحققها.
وربما تكون هذه هي المعضلة التي تواجه الولايات المتحدة اليوم.
فهي لا تزال أقوى دولة في العالم، لكنها للمرة الأولى منذ عقود تجد نفسها أمام خصوم لا يراهنون على هزيمتها العسكرية، بل على إطالة زمن المواجهة حتى تتحول القوة نفسها إلى عبء.






