لم تكن تغطية انتقال اللاعب العالمى محمد صلاح، قائد منتخب مصر، إلى نادي طرابزون سبور مجرد مهمة صحفية عادية، بل كانت رحلة ميدانية مليئة بالتحديات والمفاجآت، كشفت حجم المكانة التى يحظى بها قائد منتخب مصر فى مدينة تركية عاشت يومًا استثنائيًا، بدا فيه أن الحياة كلها تتحرك فى اتجاه واحد نحو استاد بابارا بارك.
منذ الساعات الأولى للصباح، ارتدت طرابزون ألوان ناديها. الأعلام ترفرف فى كل مكان، والجماهير تتوافد من مختلف المدن والقرى، والحديث فى المقاهى والشوارع لا يدور إلا عن محمد صلاح. أما أنا، موفد «اليوم السابع»، فكنت أتابع عقارب الساعة بقلق، لأن مكان إقامتى فى منطقة يومرا، التى تبعد نحو ساعة عن الاستاد فى الظروف الطبيعية، بينما كانت حركة المرور فى ذلك اليوم قد خرجت تمامًا عن المألوف.
كل دقيقة كانت تمر تعنى اقترابى من خسارة أهم لحظة فى التغطية؛ لحظة وصول محمد صلاح إلى أرض الملعب. كان هاجسى الأكبر أن تُغلق بوابة كبار الزوار والمدخل المخصص للإعلام قبل وصولى، فتضيع فرصة توثيق حدث سيظل محفورًا فى تاريخ الكرة المصرية والعربية.
حاولت استيقاف أكثر من سيارة أجرة، لكن جميع السائقين كانوا يعتذرون عن الذهاب إلى الاستاد بسبب الزحام الهائل. الطرق المؤدية إلى «بابارا بارك» تحولت إلى نهر بشرى، وآلاف المشجعين كانوا يسيرون على الأقدام، بعضهم قطع كيلومترات طويلة مرتديًا قميص محمد صلاح، وآخرون يرفعون أعلام طرابزون سبور ويرددون الهتافات فى مشهد أقرب إلى مهرجان شعبى.
وسط هذا الزحام، أنقذنى أحد الأتراك من المأزق بعدما أشار إلى طريق بديل، يبدأ باستقلال حافلة إلى منطقة مولوز، ثم الانتقال إلى حافلة أخرى متجهة إلى المجمع الرياضى الذى يحتضن استاد بابارا بارك. كانت رحلة طويلة، لكنها كانت الوسيلة الوحيدة للوصول إلى قلب الحدث.
وعندما وصلت أخيراً إلى الاستاد، كانت المفاجأة الأولى. استقبلنى فريق البروتوكول بابتسامة، ثم طلب منى – فى إطار تنظيم الحركة داخل الملعب – أن أخلع البدلة الرسمية وأرتدى “تى شيرت”. لم يكن الأمر معتاداً بالنسبة لى، لكننى امتثلت فورًا، وحملت بدلتى بيدى، واتجهت إلى المنطقة المخصصة للإعلام التركى، حيث أصبح التحرك بين الجماهير أكثر سهولة.
هناك وجدت دعمًا كبيرًا من الزميل «متى»، مراسل قناة «كوزاى إكسبريس» التركية، ابن مدينة طرابزون رغم عمله فى أنقرة، الذى لم يتردد فى مساعدتى وتسهيل كثير من التفاصيل داخل الاستاد.
وبعد دقائق، اتجهت إلى المدخل الخاص الذى كان من المقرر أن يدخل منه محمد صلاح إلى أرض الملعب. وقفت فى مكان قريب، بينما كانت عدسات المصورين موجهة نحو البوابة فى انتظار اللحظة التى ينتظرها الجميع.
وفور ظهور محمد صلاح، ناديته بصوت مرتفع: «مو صلاح.. مصر». التفت نحوى فورًا، وابتسم ابتسامته المعتادة، ثم صافحنى بحرارة قبل أن يواصل طريقه إلى أرضية الملعب. كانت لفتة بسيطة، لكنها عكست تواضع نجم اعتاد أن يرد التحية والابتسامة أينما ذهب.
شاهد ايضاً
وما إن دخل أرضية استاد بابارا بارك حتى انفجرت المدرجات بالهتافات. عشرات الآلاف من الجماهير استقبلته استقبال الأبطال، بينما حرص صلاح على تحيتهم وأداء الحركات الشهيرة التى يشتهر بها جمهور طرابزون سبور، لتتعالى صيحات الفرح فى مشهد يصعب وصفه بالكلمات.
وبعد انتهاء مراسم التقديم، اقتربت منه مرة أخرى وطلبت منه بكل هدوء أن ينضم إلى البث المباشر الذى يقدمه «اليوم السابع». لم يتردد، ووافق بكل تواضع، ليمنح قراء ومتابعى الجريدة لحظة صحفية خاصة من قلب الحدث، فى موقف يؤكد احترافيته واحترامه للإعلام المصرى.
وخلال التغطية، لم أكن أنقل الحدث فقط، بل وجدت نفسى أيضًا أجيب عن أسئلة وسائل الإعلام التركية، التى أجرت معى لقاءات مباشرة للحديث عن كواليس انتقال محمد صلاح، وحجم الاهتمام الذى حظيت به الصفقة فى مصر، وكيف استقبلها الشارع المصرى ووسائل الإعلام المصرية، فى مشهد يعكس القيمة الكبيرة التى يمثلها محمد صلاح بالنسبة للجمهورين المصرى والتركى.
وبعد ساعات طويلة من التصوير والبث وإرسال المواد الصحفية، بدأت بطارية هاتفى فى النفاد. هنا ظهرت لفتة إنسانية أخرى، عندما سارعت الزميلة أيلايدا كومرت، مراسلة قناة «خبر 1» التركية، إلى إعطائى شاحنًا سريعًا، لأتمكن من استكمال التغطية دون انقطاع.
وعندما أسدل الستار على الاحتفالية التاريخية، عدت إلى ارتداء بدلتى الرسمية مرة أخرى، استعداداً للمرحلة الأخيرة من المهمة الصحفية، وهى لقاء رئيس نادى طرابزون سبور، دوغان بيه، لاستكمال التغطية ونقل كواليس الحدث إلى قراء «اليوم السابع»
فى نهاية اليوم، أدركت أن أصعب ما فى العمل الصحفى ليس كتابة الخبر، وإنما الوصول إليه. فخلف كل صورة يراها القارئ، وكل دقيقة بث مباشر يشاهدها، رحلة طويلة من الجهد، وسباق مع الزمن، ومواقف لا تظهر على الشاشة.
هكذا كانت رحلتى فى يوم تقديم محمد صلاح. رحلة بدأت بالخوف من ضياع الحدث وسط شوارع طرابزون المزدحمة، وانتهت بمصافحة النجم المصرى، وإجراء بث مباشر معه، ولقاءات مع وسائل الإعلام التركية، ثم لقاء رئيس النادى. وبين البداية والنهاية، بقيت الحقيقة الأهم أن الصحافة ليست مجرد نقل للأحداث، بل معايشة كاملة لها، حتى تصل إلى القارئ كما حدثت تمامًا.







