شهدت الأسواق الأميركية موجة صعود أمس الجمعة، بعدما جاء تقرير التوظيف لشهر يوليو (تموز) أضعف من المتوقع، الأمر الذي عزز التوقعات بأن بنك الاحتياطي الفيدرالي لن يضطر لرفع أسعار الفائدة في المدى القريب. وانخفضت عوائد السندات في الوقت الذي ارتفعت فيه الأسهم مدفوعة بهذه المضاربات.    

أحيت هذه التوقعات الشهية للمخاطرة، حيث ارتفع مؤشر ستاندرد أند بورز 500 نحو مستوى قياسي، ليحقق أفضل أداء أسبوعي له منذ أبريل (نيسان). وصعد مؤشر ناسداك 100 بنحو 1.3 في المئة. ولا تزال أسواق المال تتوقع رفعاً لأسعار الفائدة من الفيدرالي في 2026، لكن ليس قبل ديسمبر (كانون الأول). وتفوقت سندات الخزانة قصيرة الأجل في أدائها، على رغم أنها قلصت مكاسبها المبكرة مع ارتفاع أسعار النفط.

ماذا كشف تقرير التوظيف لشهر يوليو؟

قلص أرباب العمل الأميركيون الوظائف بشكل غير متوقع في يوليو (تموز)، وعدلت بيانات التوظيف للشهرين السابقين بالتخفيض، ما يشير إلى أن سوق العمل أضعف مما كان يعتقد سابقاً، بعد قوة مفاجئة سجلت في وقت سابق من العام.

انخفض عدد الوظائف غير الزراعية بمقدار 23 ألف وظيفة الشهر الماضي، عقب تعديل تراكمي بالتخفيض بمقدار 103 آلاف وظيفة لبيانات شهري مايو (أيار) ويونيو (حزيران). وتراجع معدل البطالة إلى 4.1 في المئة مع استمرار تراجع المشاركة في القوى العاملة، وتباطؤ نمو الأجور.

هل يخفف هذا الضغط عن الفيدرالي لرفع الفائدة؟

يرى بريت كينويل من منصة “إيتورو” أن تقرير التوظيف الأخير كان ضعيفاً بما يكفي لتخفيف بعض الضغط عن الفيدرالي لرفع أسعار الفائدة، لكنه ليس ضعيفاً بالقدر الذي يشير إلى تدهور الاقتصاد.

وأضاف أن التضخم لا يزال مصدر قلق، لكن بيانات اليوم قد تمنح صناع القرار سبباً إضافياً للتحلي بالصبر، وتمنح المستثمرين مساحة أكبر للإقدام على المخاطرة.

كيف يقرأ مسؤولو الفيدرالي حالة سوق العمل؟

قال توم باركن، رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في ريتشموند، خلال ندوة عبر الإنترنت استضافتها الرابطة الوطنية لاقتصاديي الأعمال، إن ما شهده يتسق مع قراءته لسوق العمل، الذي وصفه بأنه ليس رخواً وليس متشدداً، بل في حالة توازن هش. وأشار إلى أنه لا يرصد حالياً ضغوطاً تضخمية على الأجور.

ويرى برنت ويلسي من شركة “ويلسي أسيت مانجمنت” أن تقرير توظيف ضعيفاً واحداً لن يحدد على الأرجح مسار سياسة الفيدرالي، وأن البنك المركزي سيحافظ غالباً على نهج الترقب، مانحاً مزيداً من الوقت لدراسة البيانات الاقتصادية.

وقالت ليندسي روزنر من “غولدمان ساكس أسيت مانجمنت” إنه بينما ستكون بيانات التضخم القادمة الحكم الفصل، فإن تباطؤ نمو الوظائف يدعم احتمال إبقاء الفيدرالي على الفائدة دون تغيير في سبتمبر (أيلول).

ماذا ينتظر الأسواق الأسبوع المقبل؟

ترى سيما شاه من “برينسيبال أسيت مانجمنت” أن تقرير يوم الجمعة يمنح مساحة موقتة للتنفس فقط، مضيفة أنه مع شح التوجيهات المستقبلية من صناع القرار، فإن بيانات التضخم الأسبوع المقبل ستحظى بأهمية أكبر وقد تعيد إحياء مخاوف رفع الفائدة بسرعة.

وقالت إيلين زينتنر من “مورغان ستانلي ويلث مانجمنت” إنه إذا جاءت تلك الأرقام أعلى من التوقعات، فقد لا يكون تبريد سوق العمل كافياً لإسكات الدعوات لرفع الفائدة داخل الفيدرالي أو لخفض التوقعات خارجه.

هل يتدخل ترمب في قرارات الفيدرالي في شأن الفائدة؟

يتحدث الرئيس دونالد ترمب ورئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي كيفن وارش بشكل متكرر عن الاقتصاد، وفق ما ذكره كيفن هاست، مدير المجلس الاقتصادي الوطني.

وسلطت تصريحات كبير المستشارين الاقتصاديين في البيت الأبيض مزيداً من الضوء على مضمون ونطاق المكالمات الهاتفية بين ترمب ووارش منذ توليه رئاسة الفيدرالي في مايو (أيار). وقال هاست إنه لا يستمع إلى تلك المكالمات، لكنه “متأكد” من أن الرئيس لا يمارس ضغوطاً على رئيس الفيدرالي في شأن قرارات أسعار الفائدة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وقال هاست إن كيفن وارش والرئيس تجمعهما علاقة وثيقة وطويلة الأمد منذ أيام نيويورك وفلوريدا، وإنهما يتحدثان عن الاقتصاد طوال الوقت، مضيفاً أنه هو أيضاً يتحدث مع كيفن، وكذلك سكوت بيسنت، وأن هذا الأمر ليس بالجديد فعلياً.

لماذا تثير هذه المكالمات مخاوف في شأن استقلالية الفيدرالي؟

تعد هذه المكالمات الدورية بين ترمب ووارش أمراً غير معتاد في التاريخ الحديث للعلاقة بين البيت الأبيض والفيدرالي، وقد أثارت مخاوف من أن الرئيس يسعى للتأثير في صناعة القرار في البنك المركزي.

وقال هاست إن ترمب “يحترم استقلالية الفيدرالي”، مشيراً إلى أن الرؤساء السابقين ورؤساء الفيدرالي أجروا مكالمات واجتماعات من قبل، وإن كانت نادرة. وعادة ما تكون نقطة الاتصال الأساسية لرئيس الفيدرالي مع الإدارة هي وزير الخزانة، حيث يجتمع الاثنان على الإفطار أسبوعياً تقريباً، كما يتواصل رئيس الفيدرالي بانتظام مع مدير المجلس الاقتصادي الوطني.

كيف تغيرت علاقة البيت الأبيض بالفيدرالي منذ عهد باول؟

كثيراً ما هاجم ترمب سلف وارش، جيروم باول، واصفاً إياه بأنه “متأخر جداً” في خفض أسعار الفائدة، وشن حملة ضغط ضده شملت استدعاءات من وزارة العدل مرتبطة بتجديد مقر البنك، ومحاولة فاشلة لإقالة عضوة مجلس الفيدرالي ليزا كوك. وقد أنهت تلك الخطوات العرف الحديث المتمثل في احترام البيت الأبيض لاستقلالية الفيدرالي.

لكن ترمب منح وارش، الذي أبقى حتى الآن على أسعار الفائدة من دون تغيير، مساحة أكبر في السياسة النقدية.

وقال هاست إن هناك الآن شخصاً في الفيدرالي واثق الرئيس بنسبة 100 في المئة من أنه سيتخذ القرار الصحيح استناداً إلى الأرقام، لا وفق حسابات حزبية.

ما الذي يفسر تراجع شهية المستثمرين تجاه ديون الذكاء الاصطناعي؟

عندما سعت شركة “بلاك روك” لجمع مليارات الدولارات كتمويل بالدين لمركز بيانات تابع لشركة “ميتا بلاتفورمز”، كان ثمة نوع واحد من المستثمرين حرصت عملاقة إدارة الأصول على تجنبه: أولئك الباحثين عن ربح سريع.

ولحماية الصفقة من موجة البرود التي تجتاح ديون الشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، تعمد متعهدو الاكتتاب في الصفقة تفضيل ما يعرف بحسابات “الأموال الحقيقية”، مثل صناديق التقاعد والتأمين،

وجاءت هذه الخطوة الدفاعية نتيجة انعكاس في شهية المستثمرين. فمع تصاعد اقتراض شركات التكنولوجيا، أصبح المشترون أكثر حذراً من أن الإنفاق الضخم على الذكاء الاصطناعي قد لا يحقق العائد المرجو، فقد جمعت كل من “إنفيديا” و”سبيس إكس” و”أمازون” 25 مليار دولار لكل منها، لتشهد ديونها انهياراً دون سعر الإصدار بمجرد بدء التداول. وإذا استمرت السندات في التراجع بعد فترة قصيرة من بيعها، يصبح مديرو الأموال أكثر تردداً في شرائها.

وقال جون سيرفيديا، الرئيس المشارك العالمي لتمويل الدرجة الاستثمارية في “جيه بي مورغان تشيس”، إن أكبر عائق يواجه البنوك والجهات المصدرة هو ضعف أداء السوق الثانوية، مضيفاً أن السوق قادر على استيعاب هذا الإصدار، لكن حجمه وسرعته سبباً نوعاً من “عسر الهضم”.

كيف يتعامل متعهدو الاكتتاب مع تراجع الطلب؟

لمواجهة تراجع الطلب، يعمل متعهدو الاكتتاب على تباعد عمليات بيع الديون والإشارة إلى تباطؤ وتيرة الإصدار. وأعلنت “ألفابت” أن آخر بيع للسندات ستجريه في السوق الأميركية هذا العام، وقدمت تنازلات أخرى لتعزيز الطلب، فيما تسعى جهات أخرى إلى ترسيخ اهتمام المستثمرين قبل الإطلاق الرسمي، من خلال تنظيم جولات عرض غير مرتبطة بصفقة محددة لتحديد السعر الذي قد يقنع المشترين.

هل نجحت استراتيجية التخصيص الانتقائي في صفقة “بلاك روك”؟

نجحت هذه الاستراتيجية على ما يبدو في صفقة سندات “بلاك روك” البالغة 12.5 مليار دولار، بقيادة “جيه بي مورغان” و”مورغان ستانلي”. فعلى رغم أن مستوى تغطية الاكتتاب في الصفقة جاء دون المعدل المعتاد، ساعد التخصيص الانتقائي للمستثمرين على تفوق أداء السندات بعد التسعير، مع تراجع فارق العائد عن سندات الخزانة بمجرد بدء التداول.

وقال مارك كليج، كبير متداولي الدخل الثابت في “أولسبرينغ غلوبال إنفستمنتس”، إنه إذا أرادت وول ستريت بيع مزيد من هذه السندات، كانت في حاجة إلى صفقة كبيرة تنجز وتحقق أداء جيداً.

ويبدو أن كثيراً من المستثمرين احتفظوا بديونهم: ففي أول يومي تداول، بلغت أحجام التداول الثانوي لصفقة مركز بيانات “بلاك روك” نحو 23 في المئة من إجمالي الإصدار، مقارنة بـ33 في المئة لصفقة “سبيس إكس” البالغة 25 مليار دولار، وفقاً لمنصة تداول السندات الإلكترونية “ترميد” استناداً إلى بيانات نظام “تريس”.