يفضّل منتجو الفحم في إندونيسيا تحمُّل تكلفة غرامة على توجيه جزء من إنتاجهم إلى السوق المحلية بأسعار أرخص من العالمية، تنفيذًا لقرار حكومي صادر قبل أكثر من 15 عامًا، ما تسبَّب في تكرار انقطاع الكهرباء مؤخرًا.
وقبل حرب إيران -التي أدت إلى اضطرابات في إمدادات الطاقة العالمية، وارتفاع أسعار النفط والغاز والفحم، أو بمعنى أصحّ كل موارد الوقود الأحفوري- لم يكن لدى المنتجين مشكلة، لكن الآن صار الفارق كبيرًا بين السعر الذي تُلزمهم به الحكومة والسعر العالمي.
وتشهد إندونيسيا انقطاعًا واسعًا ومتكررا للكهرباء مؤخرًا، تضررت منها الشركات الصغيرة أكثر من غيرها التي لديها بدائل، وفق متابعات منصة الطاقة المتخصصة.
ويُشكّل الاعتماد على الفحم في إندونيسيا ركيزة أساسية لضمان استقرار إمدادات الطاقة، وخلال عام 2025، استحوذ الفحم على 41.3% من مزيج الكهرباء في البلاد، متجاوزًا النفط والغاز والطاقة المتجددة.
وأكد محللون قدرة الفحم في إندونيسيا على الحدّ من تأثير صدمات أسواق النفط والغاز، إلّا أنه يشكّل تهديدًا للاقتصاد نتيجة تقلبات الأسعار وتراجع العملة وارتفاع الأعباء المالية ومخاطر الإمدادات.
تخصيص ربع الإنتاج للسوق المحلية
وضعت الحكومة التزامًا على منتجي الفحم في إندونيسيا عام 2009، يفرض عليهم تخصيص ربع إنتاجهم للسوق المحلية بسعر أقل، لضمان الإمدادات وخفض الأسعار، وحماية لشركات الكهرباء المحلية، بحسب ما ذكر تقرير لصحيفة “فايننشال تايمز”.
وكان آخر تحديث لسعر الفحم المُخصص للسوق المحلية، بموجب هذا الالتزام، 70 دولارًا للطن، خلال عام 2018، وهو ما يقلّ بنسبة كبيرة عن سعره الحالي.
وأدت هذه السياسة إلى تقليل كمية الفحم الموجودة في السوق، إذ يرى المنتجون أن دفع غرامة عدم الامتثال للقرار أقل تكلفة من تخصيص ربع إنتاجهم للسوق المحلية.
وكان هذا الأمر من أبرز أسباب انقطاع الكهرباء المتكرر في إندونيسيا مؤخرًا، ما دفع الرئيس برابوو سوبيانتو إلى استدعاء وزير الطاقة بهليل لاهاداليا، الأسبوع الماضي، وإصدار أمر بـ”تسريع معالجة انقطاعات التيار الكهربائي التي ما تزال مستمرة في عدد من المناطق”.
كما أسهم قرار وزارة الطاقة بخفض حصة تعدين الفحم إلى 600 مليون طن من 790 مليون طن خلال العام الماضي، في تفاقم المشكلة.
وكانت الشركات الصغيرة من بين أكثر المتضررين من النقص الناتج عن انقطاع التيار الكهربائي، لأنها لا تملك أيّ خطط بديلة في حال انقطاع التيار.
يقول رئيس قسم دراسات الفحم في جمعية محترفي التعدين الإندونيسيين إف إتش كريستيونو: “يُعدّ خفض حصص الإنتاج عاملًا رئيسًا في انقطاع التيار، وقد تفاقم هذا الوضع بسبب مشكلة تفاوت أسعار وجودة الفحم المزمنة”.
وأشار خبراء إلى أن عدم الالتزام بالحصص ازداد أيضًا، بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج المرتبطة بالحرب الإيرانية.
شاهد ايضاً
محطة كهرباء بالفحم في إندونيسيا – الصورة من مونغاباي
نفي حكومي.. وتراجع
نفت شركة الكهرباء الوطنية الإندونيسية (PLN) أن يكون نقص الفحم قد أثّر بإمدادات محطات التوليد في البلاد.
وأرجعت أسباب انقطاع التيار الكهربائي إلى مشكلات فنية بمحطتين رئيستين في جزيرة جاوة، وأعمال صيانة في محطة بكاليمانتان.
كما أنكرت، من قبل، أن تكون سياساتها قد تسببت في انقطاعات للتيار الكهربائي، ورغم ذلك قال وزير الطاقة، إن الحكومة ستدرس إمكان مراجعة سقف الأسعار المخصص لحصّة السوق المحلية.
وقال رئيس قسم دراسات الفحم في جمعية محترفي التعدين الإندونيسيين إف إتش كريستيونو: “يجب أن يعالج أيّ حل لأزمة انقطاع التيار الكهربائي المشكلة الهيكلية أيضًا.. الالتزام المحلي يقلل بشكل كبير من ربح المناجم”.
وقال محلل تمويل الطاقة في معهد اقتصاديات الطاقة والتحليل المالي يوسف كرسنا: “يعتمد قطاع الكهرباء على الفحم في إندونيسيا بنسبة كبيرة، بالرغم من إمكانات الدولة الوفيرة في مجال الطاقة المتجددة”.
وأضاف: “تفرض إندونيسيا عقوبات صارمة على الشركات التي لا تفي بالتزاماتها، ويكمن التحدي في ضمان تطبيق هذه القواعد ومراقبتها باستمرار”.
وتابع: “الحل طويل الأجل يكمن في تسريع نشر الطاقة المتجددة وإيقاف تشغيل محطات توليد الكهرباء التي تعمل بالفحم غير الفعّالة”.
وتتمتع إندونيسيا بفرصة كبيرة للاستفادة من مواردها المتنوعة والوفيرة من الطاقة المتجددة، الأقل عرضة للصدمات الخارجية، بما يتيح لها تعزيز أمن الطاقة وتحسين مرونة الاقتصاد ودعم التنمية المستدامة.
موضوعات متعلقة..
اقرأ أيضًا..
المصادر:
إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.







