Published On 9/8/20269/8/2026

رغم تراجع أسعار النفط العالمية بأكثر من 8% خلال الأسبوع الماضي، في ظل المساعي الرامية إلى وقف الحرب وحل أزمة مضيق هرمز، لم ينعكس هذا الانخفاض بالسرعة نفسها على أسعار الوقود في الولايات المتحدة، التي ظلت فوق حاجز 4 دولارات للغالون، وهو أعلى مستوى تسجله منذ نحو 4 أعوام.

المفارقة تضع المستهلك الأمريكي أمام سؤال مباشر: إذا كان سعر النفط، وهو المادة الخام الأساسية لإنتاج البنزين، يتراجع عالميا، فلماذا لا تنخفض أسعار الوقود في محطات التعبئة بالسرعة نفسها؟

الإجابة، وفق خبراء الطاقة، ترتبط بأن سعر البنزين لا يتحدد بسعر النفط الخام وحده، وإنما يدخل في تشكيله عدد كبير من العوامل، تبدأ من تكلفة الخام وتنتهي بالنقل والتكرير والتخزين والضرائب وهوامش أرباح شركات التكرير والتوزيع.

واليوم، وبينما تلوح احتمالات التوصل إلى اتفاق جديد وتهدئة أوسع، ينتظر الأمريكيون انخفاضا ملموسا في أسعار الوقود، لكن الخبراء يحذرون من أن تراجع أسعار البنزين قد يتأخر أسابيع، وربما أشهرا، حتى بعد انخفاض أسعار النفط الخام.

لماذا تهبط الأسعار ببطء؟

أحد أبرز التفسيرات التي يقدمها الخبراء يستند إلى ما يعرف بظاهرة “الصاروخ والريشة”؛ أي أن أسعار الوقود ترتفع بسرعة عندما ترتفع أسعار النفط، لكنها لا تهبط بالسرعة نفسها عندما يتراجع الخام.

وتشير دراسة سابقة لبنك الاحتياطي الفدرالي في دالاس إلى أن أسعار الوقود قد تحتاج إلى أكثر من 16 أسبوعا حتى تتكيف بصورة كاملة مع التغيرات في أسعار النفط.

والسبب يعود جزئيا إلى طبيعة سلاسل الإمداد، فشركات التكرير والتوزيع لا تشتري النفط الخام وتبيعه فورا للمستهلك، وإنما تمر العملية بمراحل متعددة تشمل النقل والتخزين والتكرير والتوزيع، وكل مرحلة تحتاج إلى وقت.

ويشرح ريتشارد ويسترديل، رئيس قطاع تطبيقات الطاقة في شركة “كونيكتور”، أن الأمر يتعلق في الأساس بسلاسل الإمداد، إذ يحتاج النفط إلى الانتقال من مكان إلى آخر، ثم إلى عمليات التكرير قبل أن يصل في صورة وقود إلى المستهلك.

وبالتالي، فإن الانخفاض الفوري في سعر النفط بالأسواق العالمية لا يعني بالضرورة انخفاضا فوريا في سعر البنزين بمحطات الوقود.

المخزونات القديمة تؤخر انخفاض الأسعار

وتتمثل إحدى حلقات المشكلة في المخزونات التي اشترتها الشركات عندما كانت أسعار النفط مرتفعة.

فحتى إذا تراجعت الأسعار العالمية اليوم، فإن جزءا من الوقود المتداول قد يكون منتجا من خام تم شراؤه بأسعار أعلى، ما يجعل الشركات بحاجة إلى فترة زمنية قبل أن ينعكس الانخفاض الجديد بصورة كاملة على أسعار البيع.

لكن هناك تفسيرا آخر أكثر ارتباطا بالسوق والمنافسة، حسب ويسترديل.

فشركات الوقود قد تضطر، مع استمرار انخفاض أسعار الخام، إلى تقليص هوامش أرباحها، أي الفارق بين تكلفة النفط الخام وسعر الوقود المكرر. ويصل هامش التكرير، وفق المعطيات المطروحة في التقرير، إلى نحو 59 دولارا للبرميل في بعض الحالات، وهو مستوى يمكن أن يتيح للشركات خفض الأسعار إذا اشتدت المنافسة.

وهنا تصبح سرعة انخفاض البنزين مرتبطة أيضا بمدى استعداد الشركات للتنازل عن جزء من هوامش أرباحها. ورغم أن المستهلك الأمريكي يراقب أسعار البنزين في بلاده، فإن هذه الظاهرة لا تقتصر على الولايات المتحدة.

ويؤكد ويسترديل أن سوق النفط عالمي بطبيعته، وأن الدول مرتبطة بشبكات معقدة من سلاسل الإمداد، في حين تؤثر القوانين المحلية في الأسعار، إلى جانب عوامل مثل أنابيب نقل النفط وقدرات التخزين والبنية التحتية للمصافي.

وتوجد التحديات نفسها بدرجات مختلفة في الولايات المتحدة وآسيا وأوروبا، لأن أسواق الطاقة أصبحت مترابطة إلى حد كبير، وأي اضطراب كبير في منطقة منتجة أو في أحد الممرات البحرية الحيوية يمكن أن تنتقل آثاره إلى أسواق بعيدة.

لماذا لا تخفض واشنطن الضرائب؟

ومن بين الأسئلة المطروحة أيضا دور الحكومة الأمريكية في تخفيف العبء عن المستهلك من خلال خفض الضرائب على الوقود، فالضرائب تمثل أكثر من 13% من السعر الإجمالي للوقود في واشنطن، ما يثير التساؤل حول إمكانية خفضها مؤقتا في أوقات الأزمات.

لكن ويسترديل يرى أن الضرائب ليست العامل الأكبر في الارتفاع الحالي، مشيرا إلى أن تأثير تكاليف النقل والتكرير أكبر بكثير، وقد تصل تكلفة التكرير وحدها إلى نسب مرتفعة من السعر النهائي في بعض الظروف.

كما أن مصافي النفط الأمريكية تعمل بكامل طاقتها تقريبا، في حين أدت الأزمة المرتبطة بالحرب على إيران إلى زيادة تكاليف النقل، وهو ما يضيف مزيدا من الضغوط على الأسعار. وبالتالي، فإن خفض الضرائب، حتى لو حدث، لن يكون بالضرورة كافيا لتعويض جميع العوامل التي تدفع أسعار البنزين إلى الأعلى.

البنزين يتحول إلى مشكلة سياسية

ولا يمثل ارتفاع أسعار الوقود مشكلة اقتصادية فقط، بل يتحول سريعا إلى قضية سياسية، خصوصا في الولايات المتحدة التي يعتمد فيها ملايين الأمريكيين على السيارات بصورة يومية.

ويشير ويسترديل إلى أن السعر يدور حاليا حول 4.02 دولارات للغالون في واشنطن العاصمة، مع مستويات أعلى في بعض المناطق، وهو ما يحمل تأثيرا نفسيا على المستهلك والاقتصاد في آن واحد. فارتفاع البنزين يرفع تكلفة التنقل والنقل، وينعكس على أسعار السلع والخدمات، وبالتالي يمكن أن يزيد الضغوط التضخمية.

والأكثر حساسية أن هذه الأسعار تأتي مع اقتراب الانتخابات النصفية، ما يجعل تكلفة الوقود عاملا يمكن أن يحضر بقوة في حسابات الناخب الأمريكي عند تقييم أداء الإدارة.

هل تستطيع الحكومة السيطرة على الأسعار؟

ورغم الضغوط السياسية، فإن قدرة الحكومة الأمريكية على تحديد سعر البنزين مباشرة تظل محدودة في ظل اقتصاد يعتمد على آليات السوق.

ويستبعد ويسترديل قدرة الحكومة على التحكم المباشر في الأسعار، موضحا أن الشركات تتحرك وفق أسعار السوق والمنافسة. لكن ذلك لا يعني أن واشنطن عاجزة تماما عن التأثير، إذ يمكن للسياسة الخارجية والاتفاقيات الدولية وخفض التوترات الجيوسياسية أن تؤدي دورا غير مباشر في تهدئة أسواق الطاقة.