لم تعد معركة الدفاع عن الأوطان تُدار فقط عبر منصات السلاح والمواجهة المباشرة، بل امتدت ضراوتها إلى جبهة أشد خطورة؛ جبهة الصراع الإعلامي والنفسي، حيث استماتت التنظيمات الإرهابية على مدار سنوات لخلق واقع موازٍ من الزيف والإرجاف.


واليوم، تقف الدولة المصرية وشعبها أمام مرحلة فاصلة تشهد الانهيار التام و«سقوط أبواق الضجيج» التي اقتاتت طويلاً على دماء الشهداء وآلام البسطاء، لتعلن نهاية حقبة المتاجرة بالعقول، وبداية زمن جديد يتسم بوعي شعبي صلب وحصين لم تعد تنطلي عليه أكاذيب شواذ الفكر وأدعياء الوطنية الهاربين.


فعلى مدار عقد من الزمان، احتضنت العواصم الداعمة للإرهاب عددا من المرتزقة والعملاء الذين ارتضوا لأنفسهم أن يكونوا مجرد أدوات رخيصة في أيدي أجهزة استخبارات أجنبية تستهدف كسر إرادة الدولة المصرية.


كانت المنصات والقنوات المأجورة تبث سمومها اللحظية تحت دعاوى حرية التعبير الزائفة، وقاد تلك الحملات المسعورة أسماء سقطت من ذاكرة الشرفاء ولم يبقَ منها إلا الخزي والتحقير، ولم يكن هؤلاء المرتزقة سوى صدى صوت لأسيادهم، يمارسون العويل والمزايدة اليومية عبر الشاشات لتأجيج الشارع، بوجهٍ مقنع من الكراهية والغل الدفين لينهال طعناً في مؤسسات الدولة الوطنية وهويتها، وفي زوايا التحريض المظلمة، مارس ا هؤلاء هواية التزييف والتدليس المنظم، واستغلال الخطاب الديني لتسويق الأكاذيب الخبيثة وتلفيق الروايات عبر منصات التواصل الاجتماعي.


قامت هذه المنظومة الإرهابية الهاربة على فلسفة «إغراق الرأي العام بالضجيج» عبر تزييف الحقائق، وتضخيم الأزمات، وتحويل كل إنجاز وطني إلى موضوع للتشكيك والتبخيس، حيث صنعت هذه الأبواق المأجورة هالة من المظلومية الزائفة، وجيشت الكتائب الإلكترونية لتوزيع الشائعات والفتن بين أبناء الوطن الواحد، غير أن المتغير الحقيقي في هذه المعركة لم يكن فقط في انكشاف التمويلات الشيطانية وتخلي الداعمين عن هذه الدمى بعد استنفاد أغراضها، بل كان في الاستجابة الشعبية، إذ أظهر الشارع المصري جداراً من الصلابة والوعي والتحصين الذاتي، متسلحاً بما يراه على أرض الواقع من مشروعات تنموية وترسيخ لأركان الأمن والاستقرار.


وتجلت هزيمة هذه الأبواق في حالة السقوط المدوّي لنسب المشاهدة والتأثير، حيث تحولت قنواتهم وصفحاتهم إلى مجالات مهجورة لا يتردد فيها إلا صداهم، واضطُر العديد منهم إلى إغلاق منصاتهم أو الهرب مجدداً بحثاً عن ملاذات جديدة بعد أن لفظتهم الجماهير وشعرت بالقرف والاشمئزاز من خطاباتهم التحريضية المستمرة.


وأدرك المواطن البسيط قبل المثقف أن هذه الخناجر المسمومة لا تحمل مشروعاً ولا حباً للوطن، بل طموحات انتقامية خبيثة تسعى لخراب الديار وإعادة عقارب الساعة إلى الوراء، وإن مرحلة “ما بعد التضليل” التي تعيشها مصر اليوم هي ثمرة لوعي جماعي نضج في أتون التحديات، لقد بات الوعي القومي هو خط الدفاع الأول عن الأمن القومي المصري، وأصبحت الشائعة تموت في مهدها بمجرد صدورها، متكسرة على صخرة اليقين الشعبي والمصداقية التي تتسم بها مؤسسات الدولة، وإن الدرس القاسي الذي لقنه الشعب المصري لهؤلاء المرتزقة والهاربين هو أن الأوطان لا تُبنى بفقاعات الضجيج، وأن العمالة والخيانة يظلان وصمة عار تلاحق أصحابها إلى الأبد، بينما تبقى مصر عصية على الانكسار، شامخة بمؤسساتها وشعبها الذي غدا حصناً منيعاً ضد كل صور التزيف والافتراء.