العربي الجديد: فوجئ سكان الخرطوم، صباح أمس الأربعاء، بدوي انفجارات هزت أرجاء العاصمة، إثر تحليق مسيّرات لمليشيا قوات الدعم السريع في سماء مدينة أم درمان متجهة نحو شرق الولاية، سقطت إحداها في مدينة الخرطوم بحري، في حي سكني يسمى “السامراب”، وتأثرت بها قطاعات واسعة من المجتمع، مما خلق حالة من التوتر والإغلاق التام للمصانع والأسواق، في وقت ارتفعت فيه أسعار السلع الاستهلاكية، وسط الركود الذي لازم الحياة اليومية.وحسب مواطنين لـ”العربي الجديد” تأثرت القطاعات المهنية وتوقفت الأعمال، وزاد من حدة المعاناة انقطاع الكهرباء، وارتفاع أسعار الثلج، حيث أصبح لوح الثلج يباع بأربعين ألف جنيه، كما انعدمت مياه الشرب، وأصبح المواطنون يشترون برميل المياه بأربعين ألف جنيه في كثير من مناطق الخرطوم.كما شهدت أسواق العملات ارتفاعات كبيرة خلال الفترة الأخيرة، وقفز سعر الدولار إلى نحو 6 آلاف جنيه سوداني، مع ارتفاعات كبيرة في أسعار الدرهم الإماراتي ليبلغ 1660 جنيهاً، والريال السعودي 1620 جنيهاً، أما الجنيه المصري فبلغ 118 جنيهاً سودانياً، في وقت عاود فيه تجار العملات الأجنبية نشاطهم من داخل ولاية الخرطوم للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب.

إغلاق مصانع ومتاجرفي الأثناء، زادت التطورات الأمنية التي حدثت صباح أمس، من حدة المخاوف لدى التجار والمنتجين، حيث يقول أصحاب المصانع إن استمرار الأوضاع بهذه الطريقة غير ممكن، ويجعل الكثيرين يغلقون أبوابهم نتيجة التطورات المزدوجة، ومن بينها انعدام الخدمات الأساسية والتطورات الأمنية التي أقلقت جميع المواطنين.

السودان في مصيدة الفقر… ومساعدات عشوائية

ويقول صاحب أحد المصانع، مفضلاً عدم ذكر اسمه، إن العاصمة الخرطوم تعيش أزمات كثيرة، من بينها فرض ضرائب ورسوم محلية، وانعدام في الخدمات الأساسية، بالإضافة إلى التطورات الأمنية الأخيرة، ومنها هجمات المسيّرات على العاصمة، ما ألقى أعباءً على مختلف القطاعات. ويتابع: البيئة الآن أصبحت طاردة وغير جاذبة إطلاقاً فلا توجد محفزات تدفع العمل إلى الأمام، خاصة أن كثيراً من أصحاب المصانع وضعوا التكلفة على المواطن البسيط، إلا أن التطورات الأخيرة قد تجعل البعض يفكر في إغلاق المنشآت الصناعية التي ظلت تقدم خدماتها في السابق رغم الظروف المحلية.ودفعت الأزمات المتكررة والمفتعلة، وفقاً لبعض المراقبين، بعض المحال التجارية إلى تعليق البيع بصورة كلية، وسط مطالبات بتدخل لضبط الأسواق، وتخفيف أعباء الأسر السودانية، وقفز جوال السكر إلى 250 ألف جنيه.

ارتباك المشهد الاقتصاديتعقّد المشهد الاقتصادي والمعيشي بصورة كبيرة إثر استهداف سقوط شظايا مسيّرات “الدعم السريع” على مناطق مختلفة من ولاية الخرطوم أمس، ولا سيما أن الخرطوم وعدداً من المحافظات تعيش على وقع تدهور الخدمات الأساسية وغلاء الأسعار طوال الفترة الأخيرة، إذ أبدى عدد من التجار انزعاجهم من سوء الخدمات التي ازدادت ضعفاً مع هجمات المسيّرات. وقال التاجر موسى شيخ الدين لـ”العربي الجديد” إنّ انقطاع التيار الكهربائي يتواصل منذ أسبوعين، وجاءت الهجمات لتوسع دائرة الظلام، ما أثر مباشرة بتخزين المواد الاستهلاكية. وأضاف التاجر السوداني: توقفت أيضاً كثير من المصانع المنتجة للألبان والأجبان بولاية الخرطوم، في وقت اشتكى فيه أصحاب المزارع من الانهيار الكبير الذي لازم منتجات الدواجن والأبقار، بسبب انعدام التيار الكهربائي.ورغم الركود الكبير الذي لازم الأسواق ارتفعت أسعار السلع الاستهلاكية، وأرجع بعض التجار السبب إلى ارتفاع أسعار النقل، وزيادة تكلفة الإنتاج في نتيجة مباشرة للاضطرابات الأمنية والأوضاع المعيشية وفقدان الخرطوم مورد المياه والتيار الكهربائي.

العتمة تُغرق السودان… وتشعل الاحتجاجات

وقالت وزارة الطاقة إن عودة التيار الكهربائي إلى الولايات المتأثرة (البحر الأحمر، والشمالية، ونهر النيل، والخرطوم) مرهونة بإصلاح الأعطال الفنية، بعد وصول قطع الغيار إلى موقع سد مروي الذي تأثر بالحريق منذ نحو أسبوعين، ولم تُعطِ الوزارة أملاً في عودة التيار قريباً، رغم أنها أشارت إلى إمكانية العودة في موعد حددته بالأحد القادم، لكنها تركت الباب مفتوحاً أمام الخيارات الأخرى كافة.

حالة من الفوضى بالأسواقويقول تجار ومواطنون إن البلاد تعيش في حالة من الفوضى الاقتصادية وانعدام السلع الأساسية وركود الأسواق، مما يعني شللاً تاماً في الحركة الاقتصادية، وتأثيراً مباشراً بالفئات الأكثر فقراً. ويقول التاجر محمود (أحد الفنيين) إن أعمالهم توقفت بصورة كلية، مما زاد من الأعباء المعيشية حيث يعتمدون بصورة كلية على استمرار التيار الكهربائي، فيما قال العامل في مجال الحدادة والنجارة، بابكر إسحاق، إن انعكاسات الأوضاع العامة أصبحت تشكل خطراً على الأسر، وزادت من العطالة وسط العاملين في المجال المهني والفني والهندسي.وشكا عدد من التجار في سوق أم درمان من انعدام الأمن، بسبب انقطاع التيار الكهربائي، حيث زادت نسبة الجريمة بصورة كبيرة، مما جعل معظم التجار يغلقون أبوابهم منذ الخامسة مساءً، كما اضطر كثيرون إلى التوقف عن البيع والشراء، نتيجة انعدام المقومات الأساسية للبقاء في الأسواق.ويقول تاجر لحوم بيضاء، أحمد إبراهيم التوم، لـ”العربي الجديد”: “توقف عملنا منذ أكثر من عشرة أيام، ولم نستطع العمل بعدما زادت أسعار الثلج بصورة كبيرة، في وقت انعدمت فيه كل وسائل التخزين الجيدة، نتيجة ارتفاع درجات الحرارة الكبير، الذي وصل إلى 47 درجة مئوية، مما فاقم صعوبة التخزين الجيد، كما أن ارتفاع تكلفة الثلج تسبّب كذلك في كساد باللحوم”. كما يقول تاجر الخضراوات، موسى التوم، إن السوق أصبح غير مستقر، وأسعاره مرتفعة جداً بسبب التكلفة العالية للتخزين، كما انخفضت المبيعات بنسبة 40% خلال الأسبوعين الماضيين مما أدى إلى خسارة كبيرة للمنتجين والتجار على حد سواء، ويقول إن كثيراً من التجار توقفوا عن العمل في الأسواق، في ظل توقف الإمداد من المزارع، وارتفاع تكلفة المنتج على البعض منهم.وبحسب مراقبين، فقد أدى ارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية والمواد الغذائية إلى عزوف المواطنين عن الشراء، بخاصة أنّ كثيرين منهم يعتمدون في إنتاجهم اليومي على التيار الكهربائي، فبعد فقدان وظائفهم أصبح كثيرون يشتغلون في مهن يومية تعتمد بصورة مباشرة على المياه والكهرباء، وهي الآن غير متوفرة، مما أضاف عاطلين جدداً إلى دائرة الحياة العامة في السودان.