تحل اليوم ذكرى رحيل الكاتب الكبير محفوظ عبدالرحمن، الذي غاب عن عالمنا في 19 أغسطس عام 2017، عن عمر ناهز 76 عامًا، بعد مسيرة حافلة قدم خلالها عددًا من الأعمال الفنية التي أصبحت علامات بارزة في تاريخ الدراما المصرية والعربية، من بينها «بوابة الحلواني» و«أم كلثوم» و«ناصر 56» و«حليم». 

وتميز محفوظ عبدالرحمن بأسلوبه الخاص في الكتابة، خاصة الأعمال التي تناولت الشخصيات التاريخية والفنية، إذ اعتمد على البحث والتدقيق والابتعاد عن اختلاق الأحداث من أجل الإثارة.

ويقدم لكم مصر تايمز في ذكرى رحيل محفوظ عبدالرحمن، أبرز كواليس تجربته في كتابة مسلسل «أم كلثوم»، وكيف تعامل مع سيرة كوكب الشرق، وأهم الرؤى التي استند إليها في تقديم الشخصية على الشاشة.

 كواليس مسلسل أم كلثوم

يعد مسلسل «أم كلثوم»، الذي عرض عام 1999، واحدًا من أبرز الأعمال الدرامية التي تناولت سيرة كوكب الشرق، وحقق نجاحًا كبيرًا عند عرضه، بفضل المعالجة الدرامية التي قدمها محفوظ عبد الرحمن لشخصية أم كلثوم، والتي ابتعدت عن التناول التقليدي أو الاستسهال في تقديم السيرة الذاتية.

وكشف محفوظ عبدالرحمن في أحد حواراته السابقة عن الطريقة التي اتبعها في البحث عن شخصية أم كلثوم قبل البدء في كتابة المسلسل، موضحًا أنه كان حريصًا في البداية على فهم الشخصية من الداخل، والتعرف على ملامحها الإنسانية والفنية بعيدًا عن الصورة النمطية المعروفة عنها.

وأوضح الكاتب الراحل أنه لم يجد الفائدة التي كان يتوقعها من بعض اللقاءات مع أفراد أسرة أم كلثوم أو الأشخاص الذين عاصروها، بينما وجد مادة أكثر ثراءً في الصحف والمجلات القديمة التي تناولت حياتها ومسيرتها الفنية، وهو ما ساعده على تكوين صورة أكثر شمولًا عن الشخصية.

 أم كلثوم صناعة مصرية

وخلال حديثه عن تجربته في كتابة مسلسل «أم كلثوم»، أشار محفوظ عبد الرحمن إلى أنه كان يخطط في البداية لتقديم الشخصية بصورة مختلفة، والتركيز على أم كلثوم باعتبارها إنسانة وفنانة، إلا أن عملية البحث والكتابة قادته إلى رؤية أوسع لطبيعة الشخصية ودورها في التاريخ المصري.

وتوصل محفوظ عبد الرحمن، وفق ما كشفه عن تجربته، إلى أن أم كلثوم لم تكن مجرد مطربة صاحبة صوت استثنائي، وإنما كانت جزءًا من حالة مصرية متكاملة، ارتبطت بمرحلة تاريخية مهمة، وأسهمت بصورة كبيرة في تشكيل وجدان المصريين والعرب.

أم كلثوم

ولذلك رأى الكاتب أن الفصل بين سيرة أم كلثوم والتاريخ المصري لم يكن أمرًا سهلًا، خاصة أنها عاشت مراحل سياسية واجتماعية وفنية مهمة، وظلت حاضرة في وجدان الجمهور لسنوات طويلة.

كما أشار إلى مكانتها الكبيرة في المجتمع المصري، مستشهدًا بما نُسب إلى الرئيس الراحل جمال عبد الناصر من وصفها بأنها «هرم مصر الرابع».

 محفوظ عبد الرحمن ورفض إضافة أحداث غير حقيقية

ومن أبرز السمات التي ميزت تجربة محفوظ عبد الرحمن في كتابة الأعمال التاريخية، حرصه على الالتزام بالوقائع وعدم اختلاق أحداث لا أساس لها من أجل زيادة الإثارة الدرامية وظهر هذا النهج بوضوح في مسلسل «أم كلثوم»، الذي حاول من خلاله تقديم سيرة فنية وإنسانية قائمة على البحث والمعلومات.

وأكدت الفنانة سميرة عبد العزيز، زوجة الكاتب الراحل، في تصريحات سابقة أن محفوظ عبد الرحمن كان يرفض إضافة أحداث غير حقيقية لمجرد صناعة الحبكة، وكان يحرص على أن يكون البناء الدرامي مستندًا إلى وقائع حقيقية يمكن تطويرها فنيًا.

وكان يرى أن الكاتب يستطيع صناعة الدراما من داخل الحقيقة نفسها، من خلال اختيار المواقف المؤثرة وربط الأحداث بطريقة تخدم السياق، دون الحاجة إلى اختلاق وقائع أو الاستناد إلى الشائعات.

 أبطال مسلسل أم كلثوم

شارك في بطولة مسلسل «أم كلثوم» عدد كبير من نجوم الدراما المصرية، وجسدت الفنانة صابرين شخصية كوكب الشرق، وقدمت أداءً حظي بإشادات واسعة وقت عرض العمل.

وشارك في البطولة أيضًا كل من حسن حسني وأحمد راتب وسميرة عبد العزيز، إلى جانب مجموعة كبيرة من الفنانين، بينما تولت إنعام محمد علي مهمة إخراج المسلسل، وكتب السيناريو والحوار محفوظ عبد الرحمن.

وحقق العمل نجاحًا جماهيريًا ونقديًا، كما حصد عددًا من الجوائز، من بينها الجائزة الذهبية من مهرجان الإذاعة والتليفزيون، ليصبح المسلسل واحدًا من الأعمال البارزة التي تناولت سيرة شخصية فنية مصرية مؤثرة.

ذكرى محفوظ عبد الرحمن ومسيرته الفنية

وتظل ذكرى رحيل محفوظ عبد الرحمن مرتبطة بإرث فني كبير، خاصة أن أعماله لم تعتمد على الحكاية وحدها، وإنما جمعت بين الدراما والبحث والتوثيق، وهو ما جعل عددًا من أعماله حاضرًا في ذاكرة الجمهور حتى بعد سنوات من رحيله.

وبمناسبة ذكرى رحيله، يستعيد الجمهور أعمال محفوظ عبد الرحمن التي قدم من خلالها شخصيات وأحداثًا تركت أثرًا واضحًا في الدراما المصرية، وفي مقدمتها «أم كلثوم»، الذي لا يزال نموذجًا مهمًا في تقديم السير الذاتية للشخصيات الفنية، مع الحفاظ على البعد الإنساني والتاريخي للشخصية.