تحل اليوم، الأحد 23 أغسطس، ذكرى رحيل المخرج الكبير أحمد بدرخان، أحد أبرز رواد السينما المصرية ومؤسسيها في سنواتها الأولى، والذي ترك وراءه مسيرة فنية حافلة بالأعمال التي ارتبطت بمرحلة مهمة من تاريخ الفن المصري، خاصة في مجال الأفلام الغنائية والموسيقية.

اقرأ أيضا: عروسة المولد تتغير.. هدايا جديدة تخطف الأنظار في شوادر السيدة زينب

ورغم مرور عقود على رحيله، لا تزال أفلام أحمد بدرخان حاضرة في ذاكرة الجمهور، بعدما استطاع أن يصنع لنفسه أسلوبًا خاصًا جمع بين الصورة السينمائية والأداء الغنائي والدراما، وأن يتعاون مع عدد من كبار نجوم الغناء والتمثيل، وفي مقدمتهم أم كلثوم وأسمهان وفريد الأطرش ونجاة الصغيرة ومحمد فوزي.

 نشأة أحمد بدرخان وبداية علاقته بالسينما

وُلدأحمد بدرخان في 18 أكتوبر عام 1909 بحي الخليفة في القاهرة، وتلقى تعليمه في مدرسة الفرير، لكن شغفه الحقيقي بدأ مبكرًا مع السينما، إذ كان يرتاد دور العرض منذ طفولته، وشاهد أفلام شارلي شابلن الصامتة، التي أثرت فيه ودفعته إلى التعلق بفن التمثيل والإخراج. 

ولم يكن اهتمام بدرخان بالسينما مجرد هواية، إذ بدأ في دراسة هذا الفن بصورة جادة، واهتم بالكتابة عنه، كما تواصل مع معهد السينما في باريس، قبل أن يحصل على فرصة السفر في بعثة سينمائية إلى فرنسا، حيث حصل عام 1933 على دبلوم في فن الإخراج. 

وشكلت هذه المرحلة نقطة تحول مهمة في حياته، إذ عاد إلى مصر وهو يحمل معرفة أكاديمية وخبرة جديدة في صناعة السينما، في وقت كانت فيه السينما المصرية لا تزال في مرحلة التأسيس والتطور.

 أحمد بدرخان وكوكب الشرق أم كلثوم

ارتبط اسم أحمد بدرخان بشكل وثيق بأفلام أم كلثوم، وكان من أبرز المخرجين الذين نقلوا حضورها الغنائي إلى الشاشة الكبيرة.

وتشير المصادر إلى أن بدرخان قدم فيلم «وداد» عام 1937، ثم توالت أعماله مع كوكب الشرق، ومن أبرزها «نشيد الأمل»، و«دنانير»، و«عايدة»، و«فاطمة». كما شارك في كتابة عدد من هذه الأعمال، الأمر الذي عكس تعدد مواهبه واهتمامه بالتفاصيل الفنية للعمل السينمائي. 

وكان التعاون بين بدرخان وأم كلثوم من المحطات المهمة في تاريخ الفيلم الغنائي المصري، حيث استطاع المخرج أن يقدم الأغنية داخل سياق درامي، بدلًا من التعامل معها باعتبارها فاصلًا غنائيًا منفصلًا عن أحداث الفيلم.

 رائد الأفلام الغنائية

يعد أحمد بدرخان من أبرز الأسماء التي ارتبطت بتطور الفيلم الغنائي في مصر، إذ قدم أعمالًا لعدد من أشهر المطربين في ذلك الوقت، ومن بينهم أم كلثوم، وأسمهان، وفريد الأطرش، ونجاة الصغيرة، ومحمد فوزي. 

ومن أبرز تجاربه فيلم «انتصار الشباب»، الذي جمع فريد الأطرش وأسمهان، وكان من الأعمال التي رسخت حضور بدرخان في مجال الفيلم الموسيقي والغنائي. كما تميزت أعماله بطابع رومانسي واضح، مع اهتمام خاص بالموسيقى والاستعراض وتوظيف الأغنية لخدمة السياق الدرامي. 

 تجربة مميزة مع أسمهان وفريد الأطرش

كان فيلم «انتصار الشباب» محطة مهمة في حياة أحمد بدرخان الفنية والشخصية، إذ جمع العمل بين الشقيقين فريد الأطرش وأسمهان، وكان من أبرز الأفلام الغنائية في تلك المرحلة.

وخلال تصوير الفيلم، نشأت علاقة عاطفية بين بدرخان وأسمهان انتهت بالزواج، إلا أن الزواج لم يستمر طويلًا، وأصبح ارتباط اسميهما جزءًا من الحكايات التي صاحبت مسيرة الفيلم ونجومه. 

أكثر من 40 فيلمًا في مسيرته

امتدت مسيرة أحمد بدرخان السينمائية لعدة عقود، وقدم خلالها عشرات الأعمال بين الإخراج والتأليف والإنتاج.

وتذكر مصادر سينمائية أنه أخرج أكثر من 40 فيلمًا خلال مشواره، فيما تشير مصادر أخرى إلى 42 فيلمًا من إخراجه و27 فيلمًا من تأليفه. 

ومن أبرز الأعمال التي ارتبطت باسمه: «وداد»، «دنانير»، «عايدة»، «فاطمة»، «انتصار الشباب»، إلى جانب مجموعة أخرى من الأفلام التي تنوعت بين الرومانسية والغنائية والدراما الاجتماعية.

ولم تقتصر مساهمته على الإخراج، إذ شارك في الكتابة والإنتاج أيضًا، كما كان من المهتمين ببناء صناعة سينمائية مصرية قادرة على المنافسة والاستمرار، وهو ما جعله واحدًا من الأسماء المؤثرة في مرحلة مبكرة من تاريخ الفن السابع في مصر.

 شراكة مع رواد صناعة السينما

لم يكن أحمد بدرخان يعمل بمعزل عن التحولات التي شهدتها السينما المصرية، بل ارتبط اسمه بعدد من أبرز العاملين في هذا المجال.

وفي عام 1944، شارك في تأسيس شركة «اتحاد الفنانين» إلى جانب أمينة رزق وعبدالحليم نصر وحلمي رفلة، في خطوة عكست اهتمامه بالإنتاج إلى جانب الإخراج. 

وكانت هذه التجارب جزءًا من محاولات أبناء جيله لتأسيس صناعة سينمائية أكثر تنظيمًا، تجمع بين الإنتاج المحلي والاستفادة من التطورات التقنية والفنية التي شهدتها السينما العالمية.

 «نادية».. آخر أفلام أحمد بدرخان

من أكثر التفاصيل المؤثرة في قصة رحيل أحمد بدرخان أن المخرج لم يتمكن من مشاهدة آخر أفلامه «نادية»، بطولة سعاد حسني وأحمد مظهر ونور الشريف.

اقرأ أيضا: حمودة: رأس البر تخطو خطوات متقدمة لتصبح مدينة معتمدة دوليا ومستعدة للمخاطر البحرية

كان الفيلم يمثل محطة جديدة في مشواره، إلا أن القدر لم يمهله لمشاهدة العمل بعد الانتهاء منه.

ورحل أحمد بدرخان في 23 أغسطس عام 1969 عن عمر ناهز 60 عامًا، قبل أن يرى فيلمه الأخير على الشاشة. 

وأصبح «نادية» بذلك خاتمة مسيرته السينمائية، فيما ظل اسمه مرتبطًا بأجيال متعاقبة من نجوم السينما والغناء.

 أحمد بدرخان.. الأب الذي امتدت بصمته إلى جيل جديد

لم تتوقف علاقة عائلة أحمد بدرخان بالسينما عند أحمد، إذ سار نجله المخرج علي بدرخان على الطريق نفسه، وأصبح لاحقًا واحدًا من الأسماء المهمة في تاريخ الإخراج المصري.

وُلد علي بدرخان عام 1946، ودرس في المعهد العالي للسينما، ثم واصل تدريبه السينمائي في إيطاليا، وبدأ العمل مساعد مخرج في عدد من الأفلام قبل أن يقدم تجربته الإخراجية الأولى. 

وقدم علي بدرخان لاحقًا مجموعة من الأفلام البارزة، من بينها «الكرنك»، و«شفيقة ومتولي»، و«أهل القمة»، و«الجوع»، و«الراعي والنساء»، لتستمر بذلك علاقة اسم بدرخان بتاريخ السينما المصرية عبر جيلين.

 إرث فني مازال حاضرًا

يمثل أحمد بدرخان نموذجًا للمخرج الذي لم يكتف بصناعة الأفلام، وإنما شارك في تشكيل ملامح مرحلة كاملة من مراحل السينما المصرية.

فقد جاء في وقت كانت فيه صناعة السينما تبحث عن هويتها، وأسهم من خلال تجاربه في تطوير الفيلم الغنائي، والاستفادة من الموسيقى والاستعراض والدراما في بناء أعمال جماهيرية تركت أثرًا طويلًا.

وبعد مرور سنوات طويلة على رحيله، لا تزال أفلامه جزءًا من ذاكرة السينما المصرية، كما لا تزال تجربته حاضرة عند الحديث عن رواد الإخراج والفيلم الغنائي، ليبقى أحمد بدرخان أحد الأسماء التي أسهمت في وضع اللبنات الأساسية لصناعة سينمائية مصرية أصبحت لاحقًا واحدة من أهم الصناعات الفنية في المنطقة.

وتأتي ذكرى رحيله كل عام لتعيد تسليط الضوء على مشواره، ليس باعتباره مجرد صفحة من تاريخ «زمن الفن الجميل»، وإنما باعتباره تجربة فنية ساهمت في نقل السينما المصرية من مرحلة التجربة والتأسيس إلى مرحلة أكثر نضجًا وانتشارًا.