كتب جورج فريدمان تقديرا للموقف الإستراتيجي والجيوسياسي العالمي الحالي، ملخصه أن النظام السياسي العالمي الذي أسسته الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية استنفذ أغراضه، ولم يعد ضروريا ولا ممكنا.هذا النظام كان يسعى إلى التصدي للخطر السوفييتي، وإعادة بناء أوروبا الغربية، ومنعها من الانزلاق إلى حروب جديدة، ومنافسة موسكو في كسب ود وتأييد دول العالم الثالث، التي استقلت ما بين 1947 و1980. واختلفت المواجهة بين المعسكرين الرأسمالي والشيوعي عن مواجهات اليوم، لأن المعسكر الثاني لم يكن منخرطا في المنظومة الرأسمالية العالمية، على عكس صين اليوم، نحن اليوم في وضع يحتاج فيه اقتصاد أمريكا إلى الصين والعكس صحيح، لأن السوق الصينية غير قادرة على استيعاب المنتجات الصينية، ولأن رخص هذه المنتجات يساعد الاقتصاد الأمريكي.ويقول فرديمان إن نظام ما بعد 1945 حقق أغراضه، دول أوروبا وشرق آسيا باتت غنية، قادرة وفقا له على الدفاع عن نفسها، وعن منطقتها، وباتت أعباء حماية المنطقتين ثقيلة على أكتاف الولايات المتحدة، ودفعتها إلى إهمال أمن القارة الأمريكية شمالها وجنوبها، وآن الأوان لتعديل الدفة، لا سيما بعد أن اتضح أن روسيا عاجزة عن هزيمة أوكرانيا، وأن استمرار هذه الحرب يرهق اقتصادها.لا أعرف إن كان هذا التقييم دفاعا عن سياسات الإدارة الجمهورية أم نقدا لها، لأن قرار الرئيس ترامب بشن حرب على إيران لا يتفق مع الإستراتيجية التي وصفها فريدمان، والإدارة العشوائية وربما الكارثية لهذه الحرب أضعفت الولايات المتحدة، وأثرت على مخزونها من الأسلحة.ولا يعرض التقييم لمسألتين، وتيرة تقليل الوجود العسكري الأمريكي في المنطقتين الأوروبية والهندية الصينية، وسرعته، والضعف الأوروبي.يقول فريدمان إن مصير القارة الأوروبية متوقف على قدرتها على توحيد دولها، و”على الورق” يبدو هذا الكلام سليما، معا ألمانيا وفرنسا تتفوقان على روسيا من ناحية عدد السكان والتقدم العلمي وطبعا القدرات الاقتصادية، ولدى فرنسا رادع نووي كافٍ. وإن انضمت إيطاليا و/أو المملكة المتحدة إليهما سنرى – نظريا- ميلاد قوة عظمى لها هيبة وقدرات.ولكن هذا الكلام نظري وليس عمليا، أرى مئات من المعوقات والموانع، السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، أكتفي ببضعة أمثلة، كيف يتخذ قرار الحرب في باريس وبرلين، وهل ألمانيا مستعدة لتحمل عبء الدين الفرنسي؟إضافة إلى هذا لا أرى كيف تستطيع أوروبا مواجهة التحديات الحالة، أذكر بعضها… القارة فقيرة في المواد الأولية، وتواجه مشكلة طاقة، فقدت مصدر رئيس وهو روسيا، لدى ألمانيا موقف مبدئي معادٍ للطاقة النووية – لأسباب أيديولوجية ولأن فرنسا متقدمة في هذا المضمار، مع الجفاف – نقص المياه الناتج عن شح المطر- بات من الصعب تبريد المفاعلات النووية وكثر توقفها عن العمل، وبات من الصعب تشغيل المحطات الكهرومائية لتوليد الكهرباء. على أوروبا التحول السريع إلى الطاقة الشمسية وحل مشكلة تخزينها، وهذا ليس سهلا.الصناعات الأوروبية تعاني من أزمة الطاقة والموارد الأولية وتعاني أيضا من منافسة الصين.تراجعت شعبية مشروع الوحدة الأوروبية، قطاعات شعبية واسعة ترى أن دولها تنازلت عن مكونات من مكونات سيادتها لكائن بيروقراطي لا يجيد الاستماع ولا يعرف مقتضيات الحياة العملية ويميل إلى تغليب المصالح الألمانية، ونتيجة لهذا التنازل ترى هذه القطاعات أن الشعوب فقدت قدرتها على التأثير على القرار في عدد مهم من المجالات التي تمس الحياة اليومية، وبين مؤيدي مشروع الوحدة وأعدائه استقطاب عميق. وكلنا نعلم أن ملف المهاجرين خلافي.وهناك اختلافات حول تحديد التهديد الرئيس للقارة، من الصعب إقناع إسبانيا أو إيطاليا أن روسيا خطر يخصهما، ومن الصعب إقناع بعض دول شرق وشمال أوروبا أن هناك تهديدات أخرى غير التهديد الروسي. تختلف النظرة إلى تركيا من دولة إلى أخرى…إلخ.وهناك مشكلة لا حل لها… المال والموارد لا يكفون لبناء جيش قادر على خوض معارك لا سيما ضد عدو كروسيا.* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية
اقرأ أيضا: خطأ غير مقصود|مدرسة “قروض أولياء الأمور” تدافع عن نفسها ببيان جديد







