Published On 23/8/202623/8/2026

أحدثت الحرب في السودان انقساما واضحا في المشهد الاقتصادي والمالي، مع تفاوت طرق التداول والسيولة النقدية بين مناطق سيطرة كل من الحكومة السودانية وقوات الدعم السريع، وسط تراجع حاد في قيمة العملة المحلية (الجنيه) وارتفاع كلفة السلع والخدمات.

ومن أم درمان، قال مراسل الجزيرة أسامة سيد أحمد إن الحرب انعكست سلبا على الاقتصاد السوداني، خصوصا سعر صرف الجنيه أمام العملات الأجنبية، وفي مقدمتها الدولار الأمريكي، وهو ما ينعكس مباشرة على المستهلكين والأسواق.

وأضاف أن سعر الدولار في السوق الموازية بالمناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة يتجاوز 6 آلاف جنيه، مقابل نحو 4500 جنيه أو أكثر بقليل وفق السعر المتداول في البنوك، مشيرا إلى أن الفارق يرفع كلفة السلع التي تعتمد في استيرادها أو سداد تكاليفها على العملات الأجنبية، لتنتقل أعباؤه في النهاية إلى المستهلك.

لكن المشهد يبدو مختلفا في مناطق سيطرة الدعم السريع، ولا سيما مدينة نيالا عاصمة ولاية جنوب دارفور (غربي السودان) حيث لا يزال التداول التجاري يعتمد بدرجة كبيرة على أوراق نقدية قديمة أوقف البنك المركزي تداولها، في ظل غياب نظام مصرفي قادر على تنظيم سوق الصرف أو تحديد سعر موحد للعملات الأجنبية.

وتراجعت قيمة الجنيه بصورة كبيرة، بنسبة تصل إلى 400%، الأمر الذي يفاقم التداعيات الاقتصادية على المواطنين ويضعف قدرتهم الشرائية.

دولار مزيف

وفي تفسير آخر للفوارق المسجلة، نقلت الجزيرة عن محافظ سابق لبنك السودان المركزي، طلب عدم الكشف عن هويته، قوله إن انخفاض سعر الدولار بنحو 25% في مناطق سيطرة الدعم السريع يرتبط، أساسا بانتشار عملات أجنبية مزيفة، مما دفع بعض التجار إلى تفضيل التعامل بالجنيه.

وأضاف المصدر أن الدعم النقدي الخارجي الذي تحصل عليه قوات الدعم السريع، وفق وصفه، يقلل من الطلب على العملات الصعبة مقارنة بالحكومة التي تواجه مصروفات كبيرة لتأمين الوقود والغذاء، إلى جانب احتياجات إعادة الإعمار.

وفي المقابل، رفض الخبير الاقتصادي الدكتور محمد الناير اعتبار ما يحدث فجوة حقيقية في أسعار الصرف بين مناطق السودان، وقال إن السعر الفعلي للدولار، بحسب تقديره، يدور حول 5700 جنيه في نيالا ودارفور، مقابل 5700 إلى 5800 جنيه في الخرطوم.

وقال الناير إن الفارق الذي يظهر في بعض التعاملات يرتبط بأزمة السيولة النقدية، إذ ينخفض سعر الدولار عندما يرغب صاحبه في استبداله بالجنيه نقدا، وليس عبر التحويلات المصرفية، بسبب حاجة المواطنين في تلك المناطق إلى الكاش.

نقص النقد المتداول

وأضاف الخبير الاقتصادي أن الحديث عن سعر يتجاوز 6 آلاف جنيه للدولار يرتبط، في بعض الحالات، بالمعاملات الخارجية وتسديد قيمة الواردات خارج السودان، معتبرا أن تصوير انخفاض سعر الدولار في مناطق الدعم السريع باعتباره مؤشرا على استقرار اقتصادي هناك “فرقعة إعلامية” لا تعكس حقيقة الأوضاع المالية.

وأشار إلى أن مناطق سيطرة الدعم السريع تفتقر إلى بنك مركزي ومصارف قادرة على إدارة السياسة النقدية والسيولة، معتبرا أن المشكلة الأساسية تتمثل في نقص النقد السوداني المتداول، في وقت تعرضت فيه مصارف بمناطق مختلفة من البلاد للنهب خلال الحرب، وفق قوله.

وبشأن الإجراءات المطلوبة، دعا الناير الحكومة إلى تسريع خطوات استبدال العملة الوطنية، مقترحا إعادة النظر في هيكل الفئات النقدية بدلا من الاكتفاء بحذف الأصفار، بما يسمح بإعادة التعامل بالفئات الصغيرة.

كما شدد على ضرورة ألا يتحول استبدال العملة إلى إجراء يحرم المواطنين الموجودين في مناطق سيطرة الدعم السريع من استبدال مدخراتهم، مؤكدا أهمية منح الجميع فرصة للحصول على حقوقهم المالية، مع العمل في الوقت نفسه على تتبع الأموال التي تعرضت للنهب خلال الحرب ومعرفة أصحابها.