بعد فترة تصحيح وصلت فيها أسعار المعادن الثمينة إلى أدنى مستوى لها عند حوالي 4000 دولار للأونصة في منتصف يوليو، شهد السوق انتعاشاً ملحوظاً. ففي أول جلسة تداول من الأسبوع، ارتفعت أسعار الذهب العالمية بنسبة 1.3% تقريباً، لتصل في وقت من الأوقات إلى 4675 دولاراً للأونصة، وهو أعلى سعر منذ منتصف مايو.
يُعزز هذا الارتفاع سلسلة مكاسب استمرت ثلاثة أسابيع، حيث ارتفع سعر المعدن النفيس بأكثر من 5% خلال الأسبوع الماضي وحده. ويأتي هذا التطور الإيجابي في وقتٍ يتلقى فيه السوق إشاراتٍ بتدخلات سياسية وتحولاً واضحاً في سلوك تخصيص الأصول لدى المستثمرين الدوليين.
تقترب أسعار الذهب العالمية من مستوى 4700 دولار للأونصة بعد تصحيح حاد (صورة: Shutterstock).
دعم من سوق السندات وضعف الدولار الأمريكي.
كان السبب المباشر لهذا الارتفاع هو قرار وزارة الخزانة الأمريكية بزيادة إعادة شراء سندات الحكومة طويلة الأجل. فقد رُفع الحد الأقصى لعمليات إعادة شراء السندات التي تتراوح مدتها بين 10 و30 عامًا بشكل حاد من ملياري دولار إلى 4 مليارات دولار على الأقل.
أشار وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت أيضاً إلى إمكانية توسيع البرنامج مستقبلاً. وعلى الرغم من تعافي عوائد السندات طويلة الأجل بسرعة بعد انخفاض قصير الأجل، حافظت أسعار الذهب على اتجاهها التصاعدي المستمر.
بحسب تحليل أجرته شركة ING Research استناداً إلى بيانات Refinitiv، فإن ثبات سعر الذهب رغم ارتفاع عوائده يشير إلى أن السوق ينظر إلى ما هو أبعد من تقلبات أسعار الفائدة المعتادة. وقد أثارت عمليات إعادة شراء السندات واسعة النطاق مخاوف جديدة بشأن ضغوط الدين الحكومي ومصداقية السياسة المالية.
قد يعجبك أيضاً
مع تزايد مخاطر انخفاض قيمة العملة، تراجع الدولار الأمريكي إلى أدنى مستوى له منذ أشهر. وقد حفّز هذا الأمر تحوّلاً كبيراً لرؤوس الأموال نحو المعادن النفيسة باعتبارها مخزناً آمناً وجذاباً للقيمة. إضافةً إلى ذلك، غذّت البيانات الاقتصادية الأمريكية الضعيفة التوقعات بأن يبدأ مجلس الاحتياطي الفيدرالي (الفيدرالي) في تخفيف السياسة النقدية في عام 2027.
تدفقات رأسمالية ضخمة وتدخل البنوك المركزية.
إلى جانب العوامل السياسية، يُعدّ عودة رؤوس الأموال المؤسسية محركاً رئيسياً وراء انتعاش أسعار الذهب. ويُشير تقرير صادر عن مجلس الذهب العالمي إلى أن صناديق الاستثمار المتداولة في الذهب العالمية استقطبت صافي استثمارات بقيمة 3 مليارات دولار في يوليو، أي ما يعادل زيادة قدرها 23 طناً من حيازات الذهب.
شاهد ايضاً
استمر اتجاه التراكم حتى شهر أغسطس. تُظهر البيانات التي رصدتها بلومبيرغ أن صناديق الاستثمار اشترت صافي ما يقرب من 18 طنًا من الذهب في جلسة تداول واحدة فقط يوم الخميس الماضي – وهو أقوى تراكم في يوم واحد منذ ما يقرب من عام.
إلى جانب صناديق الاستثمار، حافظت البنوك المركزية على دورها كداعم قوي للسوق. وبلغ صافي مشتريات القطاع الرسمي 51 طناً في يونيو، ليصل إجمالي الحجم التراكمي للنصف الأول من العام إلى 102 طن، وتتصدر بولندا والصين قائمة الدول من حيث الحجم.
يرى ممثلو شبكة INN أن مشتريات البنوك المركزية ستستمر في الحفاظ على ارتفاع أسعار الذهب. ومع ذلك، فإن تحقيق المزيد من الزخم التصاعدي يعتمد بشكل أساسي على ما إذا كان المستثمرون الغربيون سيحافظون على مستوى اهتمامهم بهذا الأصل خلال الفترة المقبلة.
عوائق التضخم ومعضلة سعر الفائدة لدى الاحتياطي الفيدرالي.
على الرغم من التوقعات الإيجابية، لا يزال السوق يواجه بعض التحديات. فارتفاع أسعار الطاقة يُطيل أمد مشكلة التضخم في الولايات المتحدة، مما يزيد من احتمالية استمرار الاحتياطي الفيدرالي في سياسته النقدية المتشددة لفترة أطول من المتوقع.
قد يعجبك أيضاً
بحسب وكالة أنباء بلغا، كشفت محاضر اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي في يوليو/تموز عن تباين في الآراء داخل الوكالة، حيث دعا بعض المسؤولين إلى رفع فوري لأسعار الفائدة، بينما أبدى آخرون استعدادهم لتشديد السياسة النقدية إذا لم تخف ضغوط الأسعار. وتشير بيانات من منصة CME FedWatch إلى أن المتداولين يقدرون حاليًا احتمالية رفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي لأسعار الفائدة في سبتمبر/أيلول بنسبة 40%، واحتمالية إبقائها دون تغيير بنسبة 60%.
تتركز اهتمامات الأسواق المالية هذا الأسبوع على مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي في الولايات المتحدة لشهر يوليو، وخطاب رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وارش في ندوة جاكسون هول (27-29 أغسطس). إذا أشار الاحتياطي الفيدرالي إلى موقف متشدد بشأن أسعار الفائدة، فقد ينتعش الدولار الأمريكي وعوائد السندات، مما يضغط مجدداً على أسعار الذهب.
علاوة على ذلك، تُراقَب التطورات الاقتصادية الخارجية عن كثب، إذ تستعد الولايات المتحدة لفرض عقوبات مالية واسعة النطاق تستهدف شركاء إيران التجاريين. وفي ظل هذه المتغيرات المتشابكة، يبدو أن التصحيح الأخير في أسعار الذهب قد استقر عند مستوى قاع متين، مُعلناً بداية فترة جديدة من التقلبات تتماشى بشكل وثيق مع تحركات السياسة النقدية الدولية.
المصدر:







