أبو ظبى ، الامارات – على تردد 4625 كيلوهرتز، وفي نطاق الموجات القصيرة، يتكرر صوت إلكتروني رتيب أشبه بطنين لا ينقطع. وبينما يبدو البث في معظم الوقت بلا معنى، تتوقف الإشارة أحيانًا لتظهر أصوات بشرية روسية تقرأ مجموعات من الحروف والأرقام وكلمات تبدو للوهلة الأولى عشوائية. المحطة معروفة عالميًا باسم UVB-76، أو The Buzzer، فيما اكتسبت في الإعلام لقب «إذاعة يوم القيامة». لكن مراجعة أرشيف البث وسجلات مراقبة الاتصالات تكشف مفارقة أساسية: المحطة حقيقية، والبث العسكري حقيقي، والرسائل المشفرة حقيقية؛ أما قصة ارتباطها المباشر بإطلاق الأسلحة النووية، فلا تستند إلى دليل موثوق.

من «UVB-76» إلى «NZhTI».. الاسم نفسه قصة

تقول قاعدة بيانات Priyom المتخصصة في رصد الاتصالات العسكرية الروسية إن اسم «UVB-76» المتداول على الإنترنت ناتج عن خطأ في نقل رمز النداء الروسي، وأن UZB-76 هو الشكل الأقرب تاريخيًا. والأهم أن المحطة نفسها لا تعلن رمز نداء ثابتًا بوصفه «اسمها»؛ فالرموز التي تظهر في الرسائل هي رموز جماعية موجهة إلى مجموعات من المستلمين. ومنذ 30 ديسمبر 2020 ظهر الرمز NZhTI/НЖТИ، وهو الرمز الجماعي المستخدم في البث حتى الوقت الراهن وفق سجلات Priyom.

ماذا نعرف عن مكانها؟

تاريخيًا ارتبطت المحطة بموقع بوفاروفو Povarovo قرب موسكو، لكن هذا الموقع لم يعد يمثل مركز الإرسال الحالي. وبحسب Priyom، أدت إعادة تنظيم المناطق العسكرية الروسية عام 2010 إلى توسيع نطاق الشبكة، وأصبحت تستخدم مواقع إرسال متعددة، بينها مواقع قرب سانت بطرسبرغ ونارو-فومينسك قرب موسكو. وتشير قاعدة بيانات الرصد إلى أن الشبكة تخضع لسيطرة مركز اتصالات عسكري روسي في منطقة سانت بطرسبرغ، فيما تُستخدم عدة مواقع إرسال لتغطية المنطقة المستهدفة. وبعد حل المنطقة العسكرية الغربية الروسية وإعادة تشكيلها في فبراير 2024، أصبحت المحطة مرتبطة بمنطقة لينينغراد العسكرية وفق سجل Priyom.

ماذا يحدث على التردد 4625؟

البث الأساسي هو طنين متكرر يعمل كـ«علامة قناة» ويحافظ على إشغال التردد. وعندما تصل حركة اتصالات، يتوقف الطنين وتظهر رسالة صوتية. وتتكون الرسائل الأكثر شيوعًا من بنية ثابتة تعرف لدى مراقبي الاتصالات باسم Monolith: رمز مستلم، ثم مجموعة تعريف من خمسة أرقام، ثم كلمة مشفرة يتبعها ثمانية أرقام. وهنا تكمن المشكلة الأساسية أمام أي محاولة لفك الرسائل من خارج المنظومة: الكلمة الروسية المسموعة ليست بالضرورة مضمون الرسالة. فالكلمة تعمل ضمن نظام ترميز عسكري، بينما تمثل الأرقام والشفرة المحيطة بها جزءًا من عملية فك الرسالة لدى المستلم العسكري. وتشير Priyom أيضًا إلى وجود رسائل أخرى تستخدم البنية نفسها لأغراض «تغطية/تمويه» ولا تحمل بالضرورة أمرًا عملياتيًا حقيقيًا؛ وبالتالي لا يستطيع المراقب الخارجي معرفة ما إذا كان بث معين رسالة عملياتية أم رسالة تمويه.

الأرشيف يكشف شيئًا أكثر أهمية من الكلمات الغريبة

عند مراجعة سجل السنوات الأخيرة، تظهر ظاهرة لافتة: إعادة بث الرسائل القديمة. في 29 يناير 2024، على سبيل المثال، بثت المحطة: KRASOPUH 6191 3430 وسجل الأرشيف أنها تكررت سابقًا في عامي 2018 و2021. وفي 18 يناير 2024 ظهرت رسالة أخرى: GABARIT 2434 5573 وأشار السجل إلى أنها تكررت في أغسطس 2021. وفي اليوم نفسه ظهرت رسالة: AMILOTIR 7272 3084 وكان لها سابقة تعود إلى 2016. هذه التفاصيل تقوض فكرة أن كل كلمة جديدة على التردد تمثل بالضرورة حدثًا عسكريًا جديدًا.

«خردة معدنية» و«امرأة سمراء».. هل تحمل الكلمات رسائل للعالم؟

في 20 مايو 2024 بثت المحطة كلمة: BRYuNETKA — БРЮНЕТКА ، وفي 23 مايو ظهرت: METALLOLOM — МЕТАЛЛОЛОМ ، وفي 27 مايو: NEVERNYJ — НЕВЕРНЫЙ. المعنى اللغوي للكلمات قد يكون مثيرًا للفضول، لكن لا توجد أدلة تسمح بتحويل معناها الحرفي إلى تفسير عسكري. بل إن بنية الرسالة نفسها تدفع إلى استنتاج معاكس: المتلقي العسكري هو من يملك مفتاح تحويل الرمز إلى التعليمات الفعلية.

ديسمبر 2024.. «الشحن» و«المخترق» و«المخمل»

استمر النمط نفسه في نهاية العام. ففي 18 ديسمبر 2024 ظهرت كلمة: ZARYaZhENIE — ЗАРЯЖЕНИЕ ، وفي 16 ديسمبر: ISPOL’ShchIK ، وفي اليوم نفسه ظهرت: VEL’VET — ВЕЛЬВЕТ، أي «مخمل» في معناها اللغوي. لكن مرة أخرى لا توجد قرينة مستقلة تربط هذه الكلمات بعملية عسكرية محددة.

أبريل 2024.. رسالة واحدة إلى عدة رموز

الأرشيف يكشف أيضًا أن المحطة لا تخاطب دائمًا مستلمًا واحدًا. في 18 أبريل 2024 سُجلت رسالة إلى عدة رموز تضمنت: ZVUKOSNOB 0100 2548 – PREKRASNYJ 3454 1687 ، وفي اليوم التالي ظهرت رسالة موجهة إلى مجموعة أخرى من رموز المستلمين. هذا يتوافق مع وصف بنية رسائل Monolith التي يمكن أن تتضمن أكثر من رمز مستلم وأكثر من مجموعة رسائل.

وماذا عن «يوم القيامة»؟

هنا يجب تفكيك أشهر أسطورة حول المحطة. تقول الرواية المنتشرة على الإنترنت إن الطنين يمثل «إشارة حياة» لنظام نووي روسي، وإن توقفه يعني أن نظام Dead Hand/Perimeter سيتولى إطلاق الصواريخ النووية. لكن Priyom تنفي هذه الفرضية صراحة. وتصف المحطة بأنها شبكة اتصالات عسكرية روسية، وترى أن تفسير «مفتاح الرجل الميت» ليس مدعومًا بالأدلة المتاحة. والأهم أن سجل المحطة نفسه يقدم مشكلة قاتلة لهذه النظرية: الطنين توقف في مناسبات كثيرة لأسباب فنية وصيانة ونقل وتشغيل، ولم يتبع ذلك إطلاق نووي. وبالتالي فإن العلاقة بين المحطة ونظام الردع النووي الروسي تظل فرضية شعبية لا حقيقة مثبتة.

لماذا تحافظ موسكو على بث غامض بهذا الشكل؟

لا توجد إجابة رسمية روسية منشورة تشرح كل تفاصيل وظيفة الشبكة. لكن الأدلة المتاحة تجعل السيناريو الأكثر تحفظًا هو أنها شبكة اتصالات عسكرية على الموجات القصيرة، مصممة لإيصال رسائل إلى وحدات محددة، مع استخدام الطنين كعلامة للقناة. وتقول Priyom إن نشاط المحطة يتركز بدرجة كبيرة خلال ساعات النهار المحلية وأيام العمل، وليس في نمط عشوائي يوحي بمحطة «إنذار نهاية العالم».

2026.. المحطة لم تختفِ، بل زاد الاهتمام بها

اللافت أن الأسطورة لم تنتهِ مع مرور الزمن. في 24 يونيو 2026 سجل مراقبون ارتفاعًا ملحوظًا في نشاط المحطة، مع عشرات الكلمات المشفرة ضمن عدد كبير من الرسائل خلال اليوم. وتشير سجلات الرصد إلى تسجيل 20 رسالة صوتية و29 كلمة مشفرة في ذلك اليوم، مع تركز عدة رسائل خلال فترات زمنية قصيرة ، وفي 6 أغسطس 2026 رُصدت رسائل جديدة تضمنت الكلمات: KAZUS – LISOLAOS – ZNAKOSRUB. لكن هذه المعلومات جاءت من قنوات متابعة غير رسمية، ولذلك يجب التعامل معها باعتبارها رصدًا مفتوح المصدر يحتاج إلى تحقق مستقل، لا بيانًا رسميًا روسيًا.

وفي 18 أغسطس 2026 سجلت مصادر متابعة أخرى بث كلمة «أتريي»، قبل أن تعود المحطة برسائل جديدة في 20 أغسطس بعد فترة صمت قصيرة ، وفي 24 أغسطس 2026، وهو يوم إعداد هذا التحقيق، أفادت مصادر متابعة للبث بتسجيل عدة رسائل خلال ساعات الصباح، من بينها كلمات «مِيلوفار»، «دولجنوستني»، «بيلوكوري» و«شكيتورينج» بحسب النقل الروسي المتاح. وتبقى هذه الواقعة بحاجة إلى مطابقة التسجيلات الخام مع أرشيف متخصص قبل التعامل معها كدليل مستقل.

المفارقة الكبرى: الغموض هو الوظيفة

ربما تكون أكثر الحقائق إثارة في قصة «إذاعة يوم القيامة» أن الغموض نفسه ليس بالضرورة خللًا. إذا كانت المحطة شبكة اتصالات عسكرية، فإن الجمهور ليس هو المستهدف أصلًا. الكلمات الغريبة ليست رسائل صحفية ، الأرقام ليست بالضرورة إحداثيات ، والتوقف لا يعني إطلاقًا نوويًا ، والطنين ليس دليلًا على أن صاروخًا ينتظر أمر الإطلاق. إنما نحن أمام مستمعين خارجيين يسمعون جزءًا من نظام صُمم أصلًا ليكون مفهومًا للمستلم العسكري فقط.

«إذاعة يوم القيامة».. أسطورة أم نافذة على الجيش الروسي؟

بعد أكثر من عقدين من التسجيلات الصوتية المتاحة، يمكن الوصول إلى نتيجة أكثر دقة من العنوان المثير: المحطة موجودة، عسكرية على الأرجح، نشطة، وتستخدم نظام رسائل مشفرة/مرمزة؛ لكن لا يوجد دليل موثوق يثبت أنها جهاز إنذار نووي أو جزء مباشر من نظام Dead Hand. أما القيمة الحقيقية للمحطة بالنسبة للصحافة الاستقصائية، فلا تكمن في محاولة ترجمة كلمة مثل «امرأة سمراء» أو «خردة معدنية»، وإنما في تحليل نمط النشاط نفسه: متى تزيد الرسائل؟ متى تعيد بث رسائل قديمة؟ من هي رموز المستلمين؟ وهل تتزامن الزيادات الكبيرة في النشاط مع تدريبات أو أزمات أو تحركات عسكرية يمكن إثباتها من مصادر مستقلة؟ ، وهنا يتحول السؤال من: «ماذا تعني الكلمة التي قالتها إذاعة يوم القيامة؟» إلى السؤال الأكثر أهمية: «متى ولماذا يتغير سلوك شبكة الاتصالات العسكرية الروسية التي تبث على 4625 كيلوهرتز؟»