تشهد أسواق الطاقة العالمية تحولًا لافتًا مع اقتراب فصل الشتاء، إذ تراجعت أسعار النفط والغاز خلال الساعات الأخيرة مدفوعة بآمال حدوث انفراجة في أزمة مضيق هرمز، في الوقت الذي لا تزال فيه المخاطر المتعلقة بإمدادات الطاقة الأوروبية مرتفعة، وهو ما يجعل انخفاض الأسعار الحالي أقرب إلى تراجع في علاوة المخاطر السياسية وليس نهاية لأزمة الطاقة.
وبحسب “سى إن إن” الاقتصادية فقد أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، عن تحرك أميركي غير مسبوق للسيطرة على نحو خمس احتياطيات فنزويلا النفطية الهائلة، في رهان على قدرة الشركات الأميركية على إنعاش قطاع الطاقة المتعثر في الدولة العضو بمنظمة أوبك، وتوفير مصدر جديد للخام من شأنه المساعدة في خفض أسعار الوقود في أميركا.
السيطرة على 65 مليار برميل من النفط الفنزويلي
وقال ترامب، دون تقديم تفاصيل تذكر عن الاتفاق مع فنزويلا في هذا الشأن، إن الولايات المتحدة حصلت على أكثر من 65 مليار برميل من احتياطيات النفط المؤكدة في فنزويلا، من خلال شراكة مع القطاع الخاص، فيما رحبت قيادة فنزويلا بالاتفاق، قائلة إنه سيسهم في تعزيز الاقتصاد وزيادة الإيرادات الحكومية.
ترتيبات مؤقتة لتسهيل حركة الملاحة عبر المضيق
من جانبه يرى الدكتور محمد الجوهرى، الخبير الاقتصادى، أن تراجع خام برنت إلى مستويات تدور حول 86 إلى 89 دولارًا للبرميل، بعدما كان قد تجاوز 90 دولارًا خلال الفترة الماضية، ومع تقدم الاتصالات المتعلقة بإيران وظهور مؤشرات على إمكانية إيجاد ترتيبات تسمح بزيادة حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، تشير تلك التطورات إلى أن إيران وسلطنة عمان تبحثان ترتيبات مؤقتة لتسهيل حركة الملاحة عبر المضيق، الأمر الذي دفع المستثمرين إلى تقليص المخاوف من حدوث نقص حاد في إمدادات النفط العالمية، وفي الوقت نفسه لم تتفاعل الأسواق بقوة مع العقوبات الأمريكية الجديدة المفروضة على إيران، حيث يرى المستثمرون أن الانتقال من المواجهة العسكرية إلى العقوبات الاقتصادية يمثل خطرًا أقل على الإمدادات النفطية مقارنة باستمرار العمليات العسكرية أو حدوث إغلاق طويل للمضيق.
ارتفاع أسعار النفط حال تعثر المفاوضات
وأكد “الجوهرى”، أنه رغم ذلك لا تزال حركة ناقلات الطاقة عبر مضيق هرمز أقل كثيرًا من مستوياتها الطبيعية، وهو ما يعني أن المخاطر لم تختف بالكامل وأن أسعار النفط يمكن أن تعود إلى الارتفاع سريعًا في حالة تعثر المفاوضات أو حدوث تصعيد عسكري جديد، وتزداد أهمية مضيق هرمز باعتباره أحد أهم شرايين الطاقة العالمية، حيث تمر عبره كميات ضخمة من النفط والغاز المتجهة من منطقة الخليج إلى الأسواق الدولية، وتابع:”لكن التطور الأكثر خطورة حاليًا لا يتعلق بالنفط بقدر ما يتعلق بالغاز الطبيعي الأوروبي، فقد تراجعت أسعار الغاز الأوروبية اليوم إلى نحو 64 يورو لكل ميجاوات ساعة بعد أن تجاوزت 68 يورو، مستفيدة من التفاؤل بشأن إمكانية تخفيف القيود على الملاحة في مضيق هرمز، إلا أن هذا الانخفاض لا يلغي المشكلة الأساسية التي تواجه أوروبا قبل الشتاء، وهي انخفاض مستويات المخزون بصورة واضحة عن المتوسطات التاريخية”.
مخزونات الغاز الأوروبية عند أدنى مستوياتها
ولفت الخبير الاقتصادى، إلى أن تدور مخزونات الغاز الأوروبية حاليًا حول 63% من السعة التخزينية، مقابل متوسط لخمس سنوات يقترب من 80% في مثل هذا التوقيت من العام، وتزداد المخاوف في ألمانيا، أكبر اقتصاد أوروبي، حيث تدور مستويات التخزين حول 50% تقريبًا، وهو ما يجعل القارة الأوروبية بحاجة إلى تسريع عمليات شراء الغاز خلال سبتمبر وأكتوبر قبل بداية موسم التدفئة، وتكمن المشكلة في أن أوروبا قد تضطر إلى شراء كميات كبيرة من الغاز الطبيعي المسال في نفس الوقت الذي تنافسها فيه الأسواق الآسيوية على الشحنات المتاحة.
وأشار “الجوهرى”، إلى أن صادرات الغاز الطبيعي المسال من منطقة الخليج، لاضطرابات كبيرة خلال الأشهر الماضية، خصوصًا صادرات قطر، وهو ما أدى إلى ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي المسال المتجه إلى أوروبا إلى أعلى مستوياتها منذ عام 2023، وبالتالي فإن السيناريو الأكثر خطورة بالنسبة لأوروبا يتمثل في دخول الشتاء بمخزونات منخفضة بالتزامن مع استمرار اضطرابات الإمدادات وارتفاع الطلب الآسيوي وحدوث موجات برد قوية، وفي هذه الحالة يمكن أن تعود أسعار الغاز الأوروبية إلى الارتفاع بصورة حادة، وهو ما سينعكس على أسعار الكهرباء وتكاليف الإنتاج الصناعي ومعدلات التضخم.
شاهد ايضاً
القلق الأكبر ينتقل تدريجيًا من النفط إلى الغاز الأوروبي.
ولفت “الجوهرى”، إلى أن الأشهر من سبتمبر إلى ديسمبر ستكون حاسمة بالنسبة لأسواق الطاقة العالمية، فإذا نجحت المفاوضات الإيرانية وتمت استعادة حركة الملاحة بصورة طبيعية عبر مضيق هرمز وتحسن تدفق الغاز الطبيعي المسال، فمن المتوقع أن تتراجع أسعار النفط والغاز بصورة أكبر، وهو ما سيكون إيجابيًا للتضخم والنمو العالمي، مضيفاً:”أما إذا فشلت المفاوضات واستمرت اضطرابات الإمدادات ودخلت أوروبا فصل الشتاء بمخزونات ضعيفة، فقد تتحول أزمة الغاز إلى واحدة من أهم المخاطر الاقتصادية العالمية خلال الربع الأخير من 2026.
وأكد الخبير الاقتصادى، أنه هذه الحالة قد نشهد ارتفاعًا جديدًا في أسعار الغاز والنفط والذهب، مع عودة الضغوط التضخمية وارتفاع تكاليف الصناعة والنقل والكهرباء، الأمر الذي قد يدفع البنوك المركزية إلى إعادة حساباتها بشأن خفض أسعار الفائدة.
الدولار الأمريكي
وحول تحرك الدولار الأمريكي عالمياً ومحلياً، أكد “الجوهرى”، أن الدولار الأمريكي يتحرك حاليًا بصورة أكثر استقرارًا، مع استمرار الأسواق في مراقبة التضخم الأمريكي ومستقبل أسعار الفائدة، وتظل قوة الدولار مرتبطة بدرجة كبيرة بقرارات الاحتياطي الفيدرالي، فإذا استمرت الضغوط التضخمية وظلت أسعار الطاقة مرتفعة فقد يتأخر خفض أسعار الفائدة، وهو ما يوفر دعمًا للعملة الأمريكية، وفي المقابل فإن تراجع أسعار الطاقة واستمرار انخفاض التضخم قد يسمح بخفض أكبر للفائدة الأمريكية خلال المرحلة المقبلة، وهو ما يمكن أن يضغط تدريجيًا على الدولار.
وتابع:” بالمقارنة مع السيناريو السابق فإن التطورات الحالية تخفض بصورة مؤقتة احتمالات قفزة خام برنت فوق 100 دولار للبرميل، طالما استمرت التحركات الدبلوماسية بشأن مضيق هرمز، ويظل النطاق المرجح لخام برنت خلال الفترة المقبلة بين نحو 75 و95 دولارًا للبرميل في السيناريو الأساسي، بينما يمكن أن تتجاوز الأسعار 100 دولار مجددًا في حالة حدوث تصعيد عسكري كبير أو تعطل واسع في الإمدادات”.








