لم يعد التصعيد العسكري في البحر الأسود يقتصر على استهداف الموانئ والمنشآت الحيوية، بل امتد إلى سفن الشحن، ما يهدد أحد أهم ممرات تجارة الحبوب في العالم، ويفتح الباب أمام ارتفاع جديد في أسعار القمح وتداعيات قد تصل إلى موائد ملايين المستهلكين حول العالم.
وتزايدت المخاوف بعد تعليق شركة “MSC”، أكبر شركة حاويات في العالم، الحجوزات الجديدة من ميناء نوفوروسيسك الروسي، عقب استهداف إحدى سفنها بطائرة مسيرة.
لكن تداعيات الهجمات تتجاوز مصير سفينة واحدة، إذ يُعد ميناء نوفوروسيسك مركزًا رئيسيًا لصادرات القمح الروسي، فيما أدى القصف الذي تعرض له إلى توقف محطتين كبيرتين للحبوب، ما أثار مخاوف بشأن استمرار تدفق الإمدادات إلى الأسواق العالمية.
تراجع صادرات الحبوب يضغط على الأسواق
ومع تصاعد الهجمات، تراجعت صادرات الحبوب الأوكرانية بنحو 75% خلال النصف الأول من أغسطس/ آب، فيما تكدست نحو 70 سفينة قرب رومانيا بحثًا عن مسارات بديلة لنقل الشحنات.
وسرعان ما انعكس القلق على أسواق القمح، إذ قفزت العقود الآجلة للقمح في بورصة شيكاغو إلى أعلى مستوى لها منذ يوليو/تموز 2023، كما ارتفعت بنحو 19% منذ بداية أغسطس.
وتكمن الخطورة في أن استمرار الهجمات قد يعني ارتفاع تكاليف التأمين والشحن، بالتزامن مع تراجع كميات الحبوب المتاحة في الأسواق. وبذلك، فإن تضييق حركة التجارة عبر البحر الأسود قد يؤدي في نهاية المطاف إلى زيادة تكلفة الخبز والمواد الغذائية، حتى في دول تبعد آلاف الكيلومترات عن منطقة الصراع.
البحر الأسود.. شريان رئيسي للقمح العالمي
في معرض الإجابة عن سؤال حول مدى تحوّل البحر الأسود إلى نقطة اختناق لتجارة الحبوب العالمية، أوضح البروفسور حسين حسن، أستاذ علم الغذاء في الجامعة اللبنانية الأميركية، أن هذا البحر لا يُعد مجرد ممر بحري، بل هو شريان أساسي يغذي السوق العالمية بالقمح.
شاهد ايضاً
وأشار في حديث للتلفزيون العربي من بيروت، إلى أن روسيا وأوكرانيا معًا تصدّران نحو ثلث تجارة القمح عالميًا، أي ما يقارب 32%، وأن معظم هذه الكميات تمر عبر البحر الأسود. لكن نتيجة الأزمات الراهنة، تراجعت الشحنات الخارجية من المنطقة بأكثر من 40% مقارنة بالعام الماضي، ما أحدث صدمة مباشرة في الأسعار العالمية، خاصة وأنه لا يوجد ممر بديل قادر على تحمّل هذا العبء الغذائي.
وعن أسباب صعوبة تعويض تعطّل موانئ البحر الأسود، بيّن أن روسيا تمتلك منافذ على بحر البلطيق والمحيط المتجمد الشمالي، لكنها تفتقر إلى البنية التحتية اللازمة لاستيعاب كميات ضخمة من القمح.
أما أوكرانيا، حسب حسن، فقطاعها الزراعي محاصر، إذ لا يتوافر وصول آمن إلى البحر الأسود، فيما تبقى الطرق البرية والسكك الحديدية محدودة القدرة ومرتفعة الكلفة، فضلًا عن اختلاف المقاييس بين السكك الأوكرانية والأوروبية، ما يعقّد العبور البري.
وفي ما يتعلق بارتفاع أسعار القمح، أكد أن الأمر ناتج عن مزيج من النقص الفعلي والمخاوف المستقبلية، إذ انخفضت الشحنات بنسبة تتراوح بين 40 و70% بحسب الميناء، فيما ساهمت المضاربات في تضخيم الارتفاع.
أما عن إمكانية تعويض النقص من قبل الولايات المتحدة وأستراليا والأرجنتين، فرأى أن ذلك ممكن جزئيًا ولكن بكلفة وتأخير كبير، وبالتالي، فإن القمح البديل عن الروسي والأوكراني يبقى أغلى سعرًا وأبعد مسافة، وهو ما يشكل التحدي الأكبر أمام السوق العالمية.







