الاقتصاد العالمي رهين تردد ترامب ونرجسية نتنياهو

كشفت الحرب الإسرائيلية الأميركية على إيران أن وحدة عضوية تربط بين مرافق الاقتصاد العالمي ومدخلاته ومخرجاته. وأن هذه الوحدة العضوية قائمة على شبكة من سلاسل الإمداد هي أشبه ما تكون بالنسيج العصبي. وبسبب العولمة، وتخلي الدول النامية عن سياسات الاكتفاء المحلي، وسلاسل الإمداد المتصلة عبر شبكات النقل البحري العنكبوتية والناقلة لـ 80% من تجارة العالم؛ أصبح الاقتصاد العالمي كالجسد الواحد؛ إذا اشتكى منه عضو في بلد منتج أو مستورد، تداعى له سائر الجسد بالحمى وسخونة الأسعار في كل أسواق العالم.

تجلت هذه الحقيقة عندما علقت سفينة إيفر غرين في مجرى قناة السويس وشلت حركة الملاحة مدة ستة أيام في مارس/آذار 2021، فارتفعت أسعار النفط بنسبة 6%، وقفزت أسعار السلع حول العالم، وتكبد الاقتصاد العالمي خسائر بمعدل 400 مليون دولار في الساعة الواحدة، بحسب تقرير لشركة التأمين الألمانية “أليانز”.

وبسبب حرب روسيا على أوكرانيا التي بدأت في فبراير/شباط 2022، أصاب الشلل حركة الشحن البحري عبر مضيق البوسفور، فارتفعت أسعار السلع الغذائية والتصنيعية والخدمات حول العالم بنسبة 100%، ووقعت أزمة غذاء عالمية، وأصيبت أسعار القمح والذرة والصويا بالسخونة في جميع دول العالم، واندلعت الاحتجاجات الشعبية في الشرق والغرب.

وعندما أعاقت جماعة الحوثيين اليمنية حركة مرور 70% من السفن في مضيق باب المندب دعماً لقطاع غزة ضد العدوان الإسرائيلي في نهاية العام 2023، تعطلت حركة التجارة البحرية وأصيبت أسعار السلع الغذائية وقطع غيار السيارات وأشباه الموصلات بالحمى في أوروبا ومنها إلى جميع دول العالم.

أزمة هرمز

في أيامها الأولى وقبل انقشاع غبارها، أثبتت وقائع الحرب الإيرانية غير المبررة أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب وأجهزة استخباراته لم تأخذ في حساباتها إمكانية استخدام النظام الإيراني مضيق هرمز ورقةً دفاعيةً في مواجهة العدوان وحرمان الاقتصاد العالمي من 20% من إمدادات النفط والغاز الطبيعي و30% من واردات الأسمدة الزراعية، و45% من سماد اليوريا وتداعياتها الكارثية على الاقتصاد العالمي، وفي القلب منه اقتصاد الدول الحليفة للولايات المتحدة في الخليج والاتحاد الأوروبي. بل إن الإدارة الأميركية لم تكن تلتفت إلى أهمية مضيق هرمز شرياناً اقتصادياً عالمياً.

لجنة النقل البحري الفيدرالية الأميركية كانت فتحت تحقيقاً في مارس 2025، بشأن قيود العبور واللوائح التنظيمية التي تفرضها الدول المطلة على نقاط الاختناق البحرية العالمية في سبعة ممرات بحرية رئيسية ودراسة التعامل معها، وحصرتها في القناة الإنكليزية، مضيق ملقا، الممر البحري الشمالي، قناة السويس، مضيق سنغافورة، قناة بنما، مضيق جبل طارق. وقالت إن هذه الممرات تحمل أكثر من 90% من نقل البضائع السائبة في العالم، وتؤثر كفاءة حركة المرور فيها بشكل مباشر على استقرار سلاسل التوريد الدولية، واستبعدت مضيق هرمز من التحقيق لتقع الكارثة في اليوم الأول من الحرب.

كما أن إدارة ترامب لم تأخذ في حساباتها تداعيات إغلاق هرمز على الاقتصاد الأميركي ذاته، ربما لبعد المسافة بين ميادين المعارك في الشرق الأوسط، والولايات المتحدة في الناحية الغربية من المحيط الأطلسي. وبعد أسبوعين من بداية الحرب، قال ترامب في تصريح للقناة 14 الإسرائيلية، إن الولايات المتحدة لا تحصل على شيء من مضيق هرمز، وإن على الدول المستفيدة من مرور البترول عبره حمايته والقتال لإعادة فتحه. حتى رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي السابق جيروم باول، الذي يمتلك معلومات عن التجارة الدولية أكثر من أي مؤسسة أخرى، قال إن توقع التأثير المستقبلي للحرب على الاقتصاد الأميركي بالنسبة له مثل الجمهور، لا يعرف حجم التأثيرات الاقتصادية التي قد تكون أكبر أو أصغر أو أكبر بكثير، وكرر: “نحن بالتأكيد لا نعرف”.

معاناة عالمية نتيجةً لإغلاق مضيق هرمز

منذ بدأت الحرب على إيران نهاية شهر فبراير الماضي، تراجع الاقتصاد في كل العالم، وخفّض البنك الدولي توقعاته لنمو الاقتصادي العالمي هذا العام إلى 2.5%، وهو أدنى مستوى له منذ جائحة كوفيد-19. وقال اتحاد الصناعة الألمانية، إن الحرب في إيران بددت الآمال في انتعاش أقوى هذا العام. ويتوقع أن يتراجع نمو الاقتصاد الألماني، أكبر اقتصاد في أوروبا، إلى 0.6%، والأميركي إلى 2%، والأوروبي إلى 0.8% فقط.

أما الاقتصاد الصيني، فيتوقع أن ينمو بنسبة 4.6%، وهي وتيرة ضعيفة أيضاً بالنسبة لثاني أكبر اقتصاد في العالم. وارتفع التضخم في دول الاتحاد الأوروبي إلى 2.9% في يوليو من 2.8% في الشهر السابق، ما اضطر البنك المركزي الأوروبي إلى رفع سعر الفائدة مرة أخرى، الأمر الذي يضيف مزيداً من الأعباء على الأسر ويدفعها إلى تقليص الاستهلاك والإنفاق على السلع والخدمات، وبالتالي يتراجع العرض، الإنتاج والاستثمار، وتزيد معدلات البطالة وتتراجع موارد الدولة من الضرائب.

وفقدت دول الخليج العربي عائدات 20 مليون برميل من النفط يومياً، بقيمة تبلغ على مدى 6 أشهر نحو 250 مليار دولار بأسعار العام الماضي، بالإضافة إلى خسارة عائدات ملايين الأطنان من الغاز الطبيعي المسال والأسمدة الزراعية. وخسرت مصر نحو 10.5 مليارات دولار نتيجة تأثر الملاحة في قناة السويس جراء الاضطرابات الإقليمية ومنها حربَا غزة وإيران، وفقدت دول جنوب شرق آسيا موردها الرئيس من البترول والغاز الطبيعي المسال.

وخسرت دول الاتحاد الأوروبي 41 مليار يورو إضافية مقابل النفط والغاز المسال. وفقدت البرازيل 75% من مورد الأسمدة الزراعية الخليجية. ونفذت هذه الدول سياسات تقشف، وخفضت ميزانيات الدعم الاجتماعي على الصحة والتعليم والسلع التموينية. وكلّفت الحرب على إيران المستهلكين ودافعي الضرائب الأميركيين نحو 132 مليار دولار حتى الآن، ولا يزال المبلغ في ازدياد، وفق تحليلات مؤسسة موديز أناليتكس Moody’s Analytics، وزادت أسعار الديزل، الأكثر استهلاكاً في النقل والصناعة والزراعة، عن 6 دولارات للغالون.

وارتفعت أسعار الأسمدة بنحو 47% خلال الحرب، ما كلف الأسر الأميركية أكثر من 1000 دولار لكل أسرة، وما زالت المعاناة مستمرة. وأصبح وقف تلك الحرب مطلباً اقتصادياً أميركياً بسبب الخسائر غير المتوقعة التي مني بها المواطن والاقتصاد ورجال الأعمال.

نرجسية نتنياهو

ما زال المضيق مغلقاً تقريباً طوال نحو 6 شهور من بداية الحرب، وفتحه مرهون بوقف الحرب على إيران. يسعى ترامب لوقف الحرب وفتح مضيق هرمز لإنقاذ الاقتصاد الأميركي ولترميم شعبية حزبه الجمهوري في انتخابات الكونغرس في شهر نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، والتي تضررت بسبب تداعيات الحرب على رفاهية المواطن الأميركي، حيث أظهر استطلاع رأي أجرته وكالة رويترز أخيراً رفض 66% من الأميركيين الحرب. وقال ترامب إن المنطقة في حاجة إلى السلام لا إلى الحرب، وإنه لا يريد تغيير النظام الإيراني ولا يريد الفوضى، بل يريد الهدوء بأسرع وقت ممكن.

لكن تصريحات ترامب يقابلها التردد في إبرام اتفاق شامل لوقف الحرب وفتح المعبر. في المقابل، يسعى بنيامين نتنياهو إلى استمرار الحرب، لكسب أصوات اليمين الدموي المؤيد للحرب في إيران وغزة ولبنان. أظهر استطلاع رأي أجرته الجامعة العبرية في القدس المحتلة أن ما يقرب من ثلثي الإسرائيليين، 66%، يعارضون وقف إطلاق النار مع إيران. وقال نتنياهو في اجتماع لمجلس الوزراء إنه يؤكد مرة أخرى أنه سواء تم التوصل إلى اتفاق مع إيران أم لا، وما دام أنه رئيس للوزراء، لن تمتلك إيران أسلحة نووية.

وعلقت القناة “13” الإسرائيلية بأن الجيش الإسرائيلي يستعد لاحتمال التحرك منفرداً ضد إيران. وفي 8 يونيو/ حزيران الماضي، قال ترامب ‌في مقابلة نشرها موقع أكسيوس إنه حذر ⁠رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من أنه قد يجد نفسه يقاتل وحيداً إذا عاد إلى الحرب ‌مع ⁠إيران، “قلت له: يا ⁠بيبي، عليك أن تحذر، وإلا فستجد ⁠نفسك وحيداً في القريب ⁠العاجل”.

وكشفت صحيفة جيروزاليم بوست الإسرائيلية أن ترامب طالب نتنياهو بوقف إطلاق النار مع إيران وأن ترامب رفع صوته خلال مكالمته الهاتفية مع نتنياهو، مطالباً إياه بوقف الهجوم على إيران. وانتقد نائب الرئيس الأميركي، جيه دي فانس، حكومة إسرائيل علناً بقوله إن بعض المسؤولين الإسرائيليين لم يتوقفوا عن عرقلة مساعي إنهاء الحرب مع إيران، وإن جهداً إسرائيلياً كبيراً يبذل في الداخل الأميركي للتأثير على القرار الوطني، وإنه لولا أميركا ما استطاعت حماية نفسها، أو حتى الاستمرار. ولكن ما زال مضيق هرمز مغلقاً وفق هوى نتنياهو. وحتى يفتح المضيق، يظل الاقتصاد العالمي رهين تردد ترامب ونرجسية نتنياهو.