بيروت – في كل صباح، تمر أم رامي أمام المكتبة في بيروت، تتوقف للحظات أمام الواجهة، ثم تخرج ورقة صغيرة دوّنت عليها ما يحتاجه أطفالها للعام الدراسي الجديد، لا تدخل لتشتري كل شيء دفعة واحدة، بل تبحث أولا عمّا يمكن تأجيله، وما يمكن الاستغناء عنه، وما يمكن استبداله بكتاب مستعمل أو حقيبة أصلحتها يد خياط بدل شراء أخرى جديدة.

تتصفح الأسعار بصمت، تحسب ما في محفظتها أكثر مما تنظر إلى الرفوف، ثم تعود لتردد جملة تختصر حال آلاف الأسر اللبنانية: “الأسعار كلها نار، لكن ماذا نفعل؟ الأولاد يجب أن يتعلموا”.

اقرأ أيضا

list of 2 itemsend of list

بالنسبة إليها، لم تعد العودة إلى المدرسة موعدا لشراء حقائب جديدة وأقلام ملونة، بل موسما جديدا من التقشف، يبدأ منذ الصيف. وتقول أم رامي للجزيرة نت إن الأسرة تجمع ما تستطيع من المال طوال أشهر العطلة، استعدادا لسبتمبر/أيلول، لأن تجهيز طفل واحد بات يحتاج إلى ميزانية قد تفوق قدرة كثير من العائلات.

وتضيف أن معظم الأهالي لم يعودوا يشترون الكتب الجديدة كما في السابق، بل يعتمدون على تبادل الكتب المستعملة بين الطلاب، ويدفعون فرق السعر فقط، وهو ما يخفف جزءا من العبء المالي.

ولا يقتصر التقشف على الكتب، بل يمتد إلى كل تفاصيل الحقيبة المدرسية، وتوضح أنها تشتري “الكتب الأساسية فقط، أما بعض المستلزمات فنؤجلها أو نستغني عنها إذا لم تكن ضرورية”.

حتى الحقيبة نفسها لم تعد تُستبدل كل عام، بل تُصلّح إذا تمزقت، وتُستخدم لسنوات إضافية، وتتابع: “هناك عائلات أوضاعها صعبة جدا، تصلح الحقائب بدل شراء غيرها، لأن الأولوية أصبحت لتأمين الحد الأدنى”.

وترى أم رامي أن الأزمة الاقتصادية غيّرت مفهوم الاستعداد للمدرسة، فبدل التفكير في جودة المستلزمات أو تنوعها، بات الهم الأول هو القدرة على تأمين الأساسيات فقط، معتبرة أن بعض المدارس تراعي أوضاع الأهالي عبر تقسيط الرسوم أو تخفيف بعض الطلبات، لكن العبء يبقى كبيرا على الأسر.

الحقيبة المدرسية قد تبدأ من 20 دولاراً وتصل إلى 60 دولاراً بحسب الجودة (الجزيرة)

بين طفلين.. فجوة تبدأ من الحقيبة

ما تعيشه أم رامي لم يعد استثناء، بل أصبح جزءا من واقع يفرضه الانهيار الاقتصادي على آلاف الأسر اللبنانية. فمع كل عام دراسي جديد، تتسع الفجوة بين التلاميذ؛ إذ يدخل بعضهم الصفوف بحقائب جديدة وكتب كاملة، بينما يكتفي آخرون بكتب مستعملة، أو يتشاركون المقررات مع زملائهم، أو يؤجل ذووهم شراء بعض المستلزمات إلى حين توافر المال.

وتعكس هذه المشاهد مؤشرات حديثة لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة “اليونيسف”، إذ أفادت 30% من الأسر بأنها خفضت إنفاقها على التعليم لتلبية احتياجاتها الأساسية، فيما قالت ثلثا الأسر التي لديها أطفال خارج المدرسة إن ارتفاع الأقساط وكلفة النقل والمواد التعليمية هي الأسباب الرئيسية لعدم التحاق أبنائها بالتعليم.

وفي بلد يُقدَّر فيه أن طفلا من كل ثلاثة أطفال في سن الدراسة خارج المدرسة أو خارج مسار التعلّم، لم تعد الحقيبة المدرسية مجرد وسيلة يحمل فيها الطفل كتبه، بل تحولت إلى مؤشر على اتساع الفجوة الاجتماعية والتعليمية، واختبار يومي لقدرة الأسر على الحفاظ على حق أبنائها في التعليم.

لم يعد الأهالي يشترون المستلزمات دفعة واحدة بل على مراحل بحسب قدرتهم (الجزيرة)

الكتب المستعملة.. حين يصبح التوفير ضرورة

في متجر للكتب المستعملة، تقف أم خليل أمام رفوف المقررات، تقلب كتب ابنتها واحدا تلو الآخر، لا بحثا عن طبعة جديدة، بل عن نسخة بحالة جيدة وسعر أقل. فالفاتورة التي تنتظرها مع بداية العام الدراسي لم تعد رقما عابرا في ميزانية الأسرة.

تقول أم خليل للجزيرة نت إن أسعار الكتب أصبحت “خيالية”، وإن شراء المستعمل بات بالنسبة إليها وسيلة أساسية للتوفير، ما دامت الكتب تؤدي الغرض نفسه ويمكن استخدامها في الدراسة.

بالنسبة إليها، المسألة تتجاوز سعر الكتاب نفسه؛ فكل دولار توفره من ثمن المقررات يمكن أن يذهب إلى القسط المدرسي، أو كلفة النقل، أو بقية المستلزمات التي ترافق بداية العام الدراسي.

ولم يعد اللجوء إلى الكتب المستعملة خيارا هامشيا أمام ارتفاع الكلفة. فقد أظهرت معطيات نقلها اتحاد الناشرين المدرسيين أن 94% من الأهالي لجؤوا في العام السابق إلى شراء كتب مستعملة لأبنائهم، مقابل 6% فقط اختاروا الكتب الجديدة.

تجهيز طفل واحد للعام الدراسي بات يحتاج إلى ميزانية تفوق قدرة كثير من العائلات (الجزيرة)

الشراء على مراحل

ويعيش أبو أحمد، وهو أب لثلاثة طلاب في مدرسة خاصة، التجربة نفسها ولكن بطريقة مختلفة. ويقول للجزيرة نت إن تجهيز أبنائه دفعة واحدة أصبح أمرا شبه مستحيل، لذلك تعتمد الأسرة على الشراء بالتقسيط الزمني لا المالي.

يبدأ بالكتب لأنها الأكثر إلحاحا، ثم يشتري القرطاسية لاحقا، أما الحقيبة فيؤجلها إذا كانت القديمة ما تزال صالحة للاستعمال.

ويضيف أن الأولوية لم تعد لما يريده الطفل، بل لما تستطيع الأسرة تحمله، موضحا أن أبناءه يدركون الظروف الاقتصادية، ولذلك لم يعودوا يطلبون حقائب جديدة أو أدوات تحمل شخصيات كرتونية كما في السنوات الماضية.

ويشير إلى أن أكثر ما يقلقه ليس فقط ارتفاع الأسعار، بل شعور الطفل بأنه أقل من زملائه عندما يدخل المدرسة بحقيبة قديمة أو بكتب مستعملة، معتبرا أن الأزمة لم تعد اقتصادية فحسب، بل أصبحت تمس الجانب النفسي أيضا.

المكتبات تتأقلم مع الواقع الجديد

داخل مكتبة “العصرية” في مدينة صيدا، تبدو الحركة أكثر هدوءا مما كانت عليه قبل سنوات. فالزبائن لا يشترون القوائم كاملة، بل يحمل معظمهم ورقة المستلزمات ويختارون منها ما تسمح به ميزانيتهم.

يقول صاحب المكتبة أبو صبحي للجزيرة نت إنهم استعدوا للموسم الدراسي منذ وقت مبكر، رغم المخاوف التي رافقت الأشهر الماضية بسبب الأوضاع الأمنية واحتمال تعثر انطلاق العام الدراسي.

ويضيف أن أسعار القرطاسية لم تشهد ارتفاعا موحدا، فبعض المنتجات بقي مستقرا، فيما ارتفع سعر بعضها الآخر بنحو 10% نتيجة زيادة تكاليف الشحن وارتفاع أسعار النفط عالميا.

ويلفت إلى أن معظم الأهالي باتوا يبحثون أولا عن الكتب المستعملة أو يتبادلونها عبر مجموعات المدارس، قبل التوجه إلى المكتبات لشراء ما ينقصهم.

ويؤكد أن نمط الشراء تغير بصورة واضحة، إذ لم يعد كثير من الأهالي يشترون جميع المستلزمات دفعة واحدة، بل يعودون أكثر من مرة في الموسم لتأمين ما يستطيعون شراءه تدريجيا.

ويقول: “هناك من يشتري الكتب اليوم، ويؤجل الحقيبة إلى الشهر المقبل، وآخرون يشترون نصف القرطاسية ثم يكملونها لاحقا”.

الكتب المستعملة أصبحت خياراً ضرورياً لتخفيف كلفة التعليم (الجزيرة)

كم تبلغ تكلفة الحقيبة؟

بحسب أبو صبحي، تبدأ أسعار الحقائب المدرسية من نحو 20 دولارا، وقد تصل إلى 50 أو 60 دولارا بحسب الجودة والمواصفات، بينما تتراوح تكلفة مجموعة القرطاسية الأساسية بين 15 و20 دولارا، فيما تختلف كلفة الكتب باختلاف المدرسة والمرحلة التعليمية.

ويشير إلى أن بعض المدارس خففت في السنوات الأخيرة من حجم المستلزمات المطلوبة، وألغت بعض الأدوات غير الأساسية، في محاولة لتقليل الأعباء المالية على الأهالي.

أزمة تتجاوز الأرقام

ورغم محاولات العائلات التكيف مع الواقع الجديد، يرى خبراء تربويون أن المشكلة لا تتعلق فقط بارتفاع الأسعار، بل بما تتركه من أثر على العدالة التعليمية.

فالطالب الذي لا يمتلك جميع كتبه أو أدواته، أو يؤجل شراء بعضها، يدخل الصف بفرص أقل من زميله، وهو ما قد ينعكس على مشاركته وثقته بنفسه ومستواه الدراسي.

وفي بلد يعاني واحدة من أطول الأزمات الاقتصادية في تاريخه، لم تعد الحقيبة المدرسية مجرد وسيلة يحمل فيها الطفل دفاتره، بل أصبحت مؤشرا على اتساع الفجوة الاجتماعية بين التلاميذ، واختبارا جديدا لقدرة الأسر على حماية حق أبنائها في التعليم، مهما اشتدت الأزمات.