عندما تتعرض المعادلة الاقتصادية القائمة منذ سنوات بين الولايات المتحدة واليابان للاختلال، فقد يشكل ذلك نذيراً بوقوع أزمة مالية في الولايات المتحدة، وبالتالي على الصعيد العالمي.
على مدى أكثر من ثلاثة عقود، استفادت الولايات المتحدة والنظام المالي العالمي بشكل هائل من أسعار الفائدة المنخفضة للغاية في اليابان ومن دور الين كعملة للتمويل.
تبدأ القصة مع “اتفاقية بلازا” Plaza Accord في 22 سبتمبر 1985، حين اتفقت كل من الولايات المتحدة واليابان وألمانيا الغربية وفرنسا والمملكة المتحدة على تنسيق سياساتها بهدف إضعاف الدولار الأمريكي الذي كان يتمتع بقوة استثنائية، مما أضعف الصادرات ، وكانت الولايات المتحدة تعاني من عجز تجاري كبير، الذي بلغ 124 مليار دولار (أكثر من 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي)، بينما كانت اليابان تحقق فوائض تجارية ضخمة. فقد بلغ العجز التجاري الأمريكي مع اليابان وحدها 36.8 مليار دولار في عام 1984. وكان ذلك، في ذلك الوقت، أكبر عجز تجاري ثنائي للولايات المتحدة مع أي دولة أخرى.
وقد حققت الاتفاقية نجاحاً باهراً؛ إذ ارتفعت قيمة الين من نحو 244 ينّاً مقابل الدولار في سبتمبر 1985 إلى حوالي 153 ينّاً بحلول أغسطس 1986، ثم إلى ما يقرب من 127 ينّاً بعد ثلاث سنوات. غير أن التبعات تجاوزت بكثير مجرد أسعار الصرف؛ فقد أدى الارتفاع السريع في قيمة الين إلى الإضرار بالمصدرين اليابانيين والمساهمة في تباطؤ اقتصادي حاد. واستجابةً لذلك، خفّض بنك اليابان سعر الخصم الرسمي مراراً وتكراراً، من 5% في أوائل عام 1986 إلى 2.5% بحلول فبراير 1987. وقد ساعدت سياسة التيسير النقدي هذه في نشوء واحدة من أكبر فقاعات أسعار الأصول في التاريخ الحديث، لا سيما في أسواق الأسهم والعقارات، وعندما انفجرت تلك الفقاعة قرابة عام 1990، دخلت اليابان فيما عُرف بـ “العقد الضائع” Lost Decade.
عاشت اليابان بعد ذلك نحو ثلاثة عقود في ظل أسعار فائدة منخفضة للغاية، تخللتها فترات شهدت أسعار فائدة صفرية وأخرى سلبية. وقد حوّلت تلك الظروف الين إلى العملة الأولى عالمياً لأغراض التمويل؛ إذ كان بإمكان المستثمرين اقتراض الين بأسعار فائدة متدنية للغاية، وتحويل العوائد إلى دولارات أو عملات أخرى، ثم شراء أصول ذات عوائد أعلى في الخارج، ولا سيما سندات الحكومة الأمريكية وعُرف هذا النمط باسم “تجارة الفارق” (Yen Carry Trades)، ولقد كان هذا النظام مربحاً للغاية للعديد من المستثمرين، كما عاد بالنفع -بشكل غير مباشر- على الأسواق المالية الأمريكية، نظراً لأن جزءاً من رأس المال كان يتدفق في نهاية المطاف نحو سندات الشركات، والأسهم، وغيرها من الأصول المقومة بالدولار، وأصبحت اليابان أكبر حائز للسندات الحكومية الأمريكية بقيمة 1.12 تريليون دولار.
ولكن بحلول عام 2026، كان هذا النظام قد أفرز جانباً سلبياً خطيراً، حيث طرأ التغيير الكبير الأول في أعقاب جائحة كوفيد-19؛ إذ شهد العالم اضطرابات في سلاسل التوريد، وارتفاعاً في أسعار الطاقة والغذاء، ونقصاً في الأيدي العاملة، فضلاً عن حزم ضخمة من التحفيز المالي والنقدي وصدمات جيوسياسية. في البداية، طالت هذه الصدمات اليابان عبر أسعار الواردات. وبدأ التضخم ينتقل من السلع المستوردة ليؤثر على الأسعار المحلية، فبلغ معدل التضخم العام في اليابان بلغ في المتوسط 3.2% عام 2025، وظل التضخم متجاوزاً للمستوى المستهدف من قبل بنك اليابان (وهو 2%) لأكثر من ثلاث سنوات ونصف. ومن ثم، تغيرت طبيعة التحدي الذي تواجهه اليابان، ليتمحور حول كيفية الحيلولة دون تحول التضخم إلى مستويات مفرطة؛ وهو ما يمثل تغييراً جوهرياً. وفي هذا السياق، رفع بنك اليابان سعر الفائدة الرئيسي إلى 1.00% في يونيو 2026، مسجلاً بذلك أعلى مستوى لسعر الفائدة في اليابان . وانخفضت قيمة الين لتصل إلى حوالي 164 يناً مقابل الدولار في يوليو 2026، مسجلاً أضعف مستوياته منذ نحو 40 عاماً. وتزايدت مخاوف اليابان من أن انخفاض العملة بدأ يغذي نفسه بنفسه (أي يتفاقم ذاتياً).
للوهلة الأولى، قد يبدو سعر صرف الين مقابل الدولار مشكلة يابانية بحتة، إلا أن الأمر ليس كذلك؛ فالنظام المالي الياباني مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالنظام المالي الأمريكي. وتُعد اليابان واحدة من أكبر الجهات الأجنبية الحائزة على سندات الخزانة الأمريكية كما أشرنا من قبل، كما تمتلك المؤسسات اليابانية محافظ استثمارية ضخمة في الخارج. وعلاوة على ذلك، لطالما وفرت “تجارة الفارق” في أسعار الفائدة القائمة على الين الرخيص التمويل للاستثمارات في جميع أنحاء العالم؛ ولذا، فإن أي عدم استقرار في قيمة الين قد يؤدي إلى سلسلة من التداعيات العالمي.
فقد ارتفعت تكاليف الطاقة والسلع المستوردة في اليابان، وازدادت حدة التضخم واستمراريته، كما ارتفعت عوائد السندات الحكومية اليابانية بشكل حاد، فقد ارتفع العائد على السندات الحكومية اليابانية لأجل 10 سنوات من متوسط 2.5% خلال النصف الأول من عام 2026 ليصل إلى 3.00% في الأول من سبتمبر 2026، وتزايد قلق السلطات من أن يؤدي الانخفاض غير المنضبط للعملة إلى زعزعة استقرار الأسواق العالمية.
وتتمثل التداعيات المحتملة لهذا الوضع في أنه عند ارتفاع عوائد السندات الحكومية اليابانية، تصبح هذه السندات أكثر جاذبية للمستثمرين اليابانيين، مما يؤدي إلى تراجع الطلب الياباني على سندات الخزانة الأمريكية؛ وهذا بدوره يدفع عوائد سندات الخزانة الأمريكية للارتفاع، مما يجعل تكلفة الاقتراض الحكومي الأمريكي أكثر ارتفاعاً في نهاية المطاف. وتُعد هذه المسألة إحدى المخاوف الرئيسية لواشنطن؛ فارتفاع العوائد اليابانية ينطوي على مخاطر انتقال أثره إلى عوائد سندات الخزانة الأمريكية التي تشهد ارتفاعاً بالفعل.
لقد يؤدي ضعف الين إلى ارتفاع أسعار الواردات ومعدلات التضخم، مما يولد ضغوطاً لرفع أسعار الفائدة؛ وهذا بدوره يتسبب في انخفاض أسعار السندات الحكومية اليابانية وارتفاع عوائدها. وفي نهاية المطاف، قد يخلق ذلك مزيداً من المشكلات للاقتصاد الأمريكي، إذ قد يختار المستثمرون اليابانيون تسييل محافظهم من السندات الحكومية الأمريكية -التي تشكل ركيزة أساسية للنظام المالي العالمي-؛ فاليابان ليست مجرد طرف في تداول العملات، بل هي واحدة من أكبر حائزي الديون الحكومية الأمريكية في العالم. فإذا تراجعت رغبة المستثمرين اليابانيين في شراء سندات الخزانة الأمريكية -أو بدأوا في بيع ما بحوزتهم منها- فقد تضطر الولايات المتحدة إلى تقديم عوائد أعلى لجذب عدد كافٍ من المشترين. وفي ظل وصول الدين الفيدرالي الأمريكي حالياً إلى نحو 40 تريليون دولار، وضخامة متطلبات الاقتراض السنوي للخزانة، فإن أي زيادة -حتى وإن كانت طفيفة- في تكلفة التمويل قد تترتب عليها عواقب مالية جسيمة.
وفي 31 يوليو 2026، قامت وزارة المالية اليابانية بشراء الين بالتنسيق مع وزارة الخزانة الأمريكية. وأعلنت اليابان رسمياً أن الهدف من ذلك هو التصدي لـ “التقلبات المفرطة والتحركات غير المنضبطة” في سعر صرف الين. فلقد تم استخدام 15.4 تريليون ين في عمليات الصرف الأجنبي (ما يقرب من 98.7 مليار دولار)، وكان ذلك أكبر تدخل في سوق العملات في تاريخ اليابان، فارتفعت قيمة الين في البداية من مستوى يقارب 164 يناً/دولار إلى حوالي 155 يناً/دولار. ولكن الين عاد وضعف مرة أخرى لاحقاً ليتراوح سعره بين 159 و160 يناً/دولار. إذن، تكمن النقطة اللافتة في الآتي. لقد أنفقت اليابان ما يقرب من 100 مليار دولار لشراء عملتها الخاصة – بمشاركة الولايات المتحدة – ومع ذلك، عاد الين لاحقاً ليقترب من مستوى 160 يناً.
علاوة على ذلك، تواجه اليابان الآن تناقضاً حقيقياً في السياسات؛ إذ تسعى رئيسة الوزراء Sanae Takaichi إلى تطبيق توسع مالي قوي لتحفيز النمو وحماية الأسر، في حين يجد بنك اليابان نفسه بحاجة متزايدة إلى سياسة نقدية أكثر تشدداً لمكافحة التضخم ودعم الين. وقد أُقرت حزمة مالية بقيمة 21.3 تريليون ين (135.4 مليار دولار) في 21 نوفمبر 2025. فيكمن التناقض في أن اليابان تنتهج فعلياً سياسة مالية توسعية قوية (بمثابة الضغط على دواسة الوقود)، وفي الوقت نفسه تتبع سياسة نقدية تقييدية (بمثابة الضغط التدريجي على المكابح).
شاهد ايضاً
الدكتور نبيل زكي
أستاذ الاقتصاد الدولي والتمويل
جامعه نيوبورك بالولايات المتحدة
تتمثل المشكلة التي تثير قلق الولايات المتحدة -والتي أشار إليها وزير الخزانة Scott Bissent مراراً- في أن اليابان قد انتقلت بالفعل من مشكلة الانكماش الاقتصادي إلى مشكلة التضخم وتقلبات العملة، إلا أن سياستها المالية لا تزال تتصرف وكأن البلاد لا تزال تكافح الانكماش. وهناك جانب آخر يمس الولايات المتحدة بشكل مباشر: ففي حال قامت اليابان بتطبيع أسعار الفائدة Normalizing interest rates، فقد تعود رؤوس الأموال اليابانية إلى الوطن، مما قد يقلل الطلب على سندات الخزانة الأمريكية ويدفع عوائدها نحو الارتفاع.
“تطبيع أسعار الفائدة”، هو ما يعني أن اليابان تعمل تدريجياً على نقل أسعار الفائدة بعيداً عن المستويات الاستثنائية (القريبة من الصفر أو السالبة) التي طُبقت خلال عقود الانكماش الاقتصادي، نحو مستوى أكثر طبيعية وأقل تحفيزاً. فقد كان سعر الفائدة الرئيسي لبنك اليابان يبلغ 0.10% قبل مارس 2024، ثم ارتفع إلى 0.25% في يوليو 2024، وإلى 0.50% في يناير 2025، وإلى 0.75% في ديسمبر 2025، وإلى 1% في يونيو 2026، مع احتمالية وصوله إلى 1.25% قبل نهاية عام 2026.
ولهذه الأسباب، لا تُعد هذه القضية مجرد شأن اقتصادي داخلي ياباني؛ فهي تؤثر في آن واحد على الين الياباني، والسندات الحكومية اليابانية، وعوائد سندات الخزانة الأمريكية، وتكاليف الاقتراض الأمريكية، وأسواق السندات العالمية.
الدكتور نبيل زكي
أستاذ الاقتصاد الدولي والتمويل
جامعه نيوبورك بالولايات المتحدة








