لا يحتاج المستهلك إلى شراء السندات أو متابعة شاشات وول ستريت كي يتأثر بما يجري في سوق الدين. ينطلق تقرير الجزيرة الذي أعده أحمد مرزوق من سؤال قريب من الحياة اليومية: كيف يمكن لعائد يرتفع في سوق السندات أن يصل إلى قسط المنزل وكلفة القروض وأسعار السلع والخدمات؟

تبدأ السلسلة عندما يطلب المستثمر عائدا أعلى مقابل إقراض حكومة أو شركة، فتزداد كلفة جمع المال. وقد تنتقل هذه الكلفة إلى الرهون والتمويل طويل الأجل للشركات، ثم تظهر في قرارات الاستثمار والتوظيف والأسعار.

اقرأ أيضا

list of 1 itemend of list

ولا يحدث هذا الانتقال بالسرعة أو الدرجة نفسها في كل القروض. لكن مجلس الاحتياطي الفدرالي الأمريكي يوضح أن العوائد الطويلة تدخل في تسعير الرهون، بينما قد تواجه الشركات التي تقترض بتكلفة أعلى خيارات أصعب بين التوسع ورفع الأسعار أو خفض الإنفاق.

ويتبع سعر السند وعائده علاقة عكسية. إذا كان السند يدفع 5 دولارات كل عام وكان سعره 100 دولار، فالعائد الحسابي 5%. وإذا هبط سعره إلى 90 دولارا وبقيت الدفعة السنوية نفسها، يرتفع عائد المشتري الجديد لأنه دفع سعرا أقل. هذا مثال مبسط للتوضيح، لكنه يشرح الفكرة التي يقوم عليها تسعير السندات.

لذلك، لا يهم المستهلك ارتفاع العائد بوصفه رقما على الشاشة فقط. فالعائد المرتفع قد يعني أن الجهة المقترضة تحتاج إلى عرض فائدة أكبر كي تجد ممولين. ويشير صندوق النقد الدولي في تقرير الاستقرار المالي العالمي إلى أن التضخم والديون الحكومية المرتفعة مارسا ضغطا صعوديا على عوائد السندات، إلى جانب عوامل السوق الأخرى.

سعر السند وعائده يتحركان في اتجاهين متعاكسين (الجزيرة)

لماذا يرتفع العائد؟

لا يوجد سبب واحد. فعائد السندات الطويلة يتأثر بتوقعات التضخم ومسار الفائدة والنمو، وبالعلاوة التي يطلبها المستثمر لقاء ربط أمواله لفترة أطول وتحمل عدم اليقين. ويخلص صندوق النقد الدولي إلى أن ارتفاع الديون الحكومية قد يزيد الضغط على العوائد، خاصة حين يتزامن مع قلق السوق من حجم الاقتراض المطلوب.

وهذا يوضح ما ورد في التقرير عن التضخم والعجز وتراكم الدين، حيث إن هذه العناصر ليست زر تشغيل واحد، بل عوامل قد تدفع المستثمر إلى طلب تعويض أعلى.

ويشير التقرير أيضا إلى اقتراض شركات التكنولوجيا لتمويل مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي. وهذه النقطة تضاف بوصفها عاملا يمكن أن يزيد المنافسة على التمويل في سوق أوسع، لا بوصفها تفسيرا منفردا لتحرك عوائد السندات الحكومية.

كيف يشعر المستهلك؟

عندما تطلب الأسواق عائدا أعلى لإقراض الحكومات والشركات، تصبح كلفة الحصول على المال أعلى. ولا يدفع المستهلك هذا العائد بنفسه عند شراء السندات، لكنه قد يشعر بأثره عندما يريد شراء منزل أو سيارة أو تمويل مشروع.

ويوضح مجلس الاحتياطي الفدرالي الأمريكي أن عوائد سندات الخزانة طويلة الأجل تدخل في تسعير الرهون الجديدة، لذلك قد ترتفع كلفة الرهن عندما ترتفع هذه العوائد. والشركة التي تقترض بفائدة أعلى قد تؤجل توسعا أو توظيفا جديدا، أو تحاول تحميل جزء من كلفة التمويل على أسعار منتجاتها وخدماتها. أما الحكومة، فكلما ارتفعت فاتورة فوائد دينها، ضاق الهامش المتاح للإنفاق على بنود أخرى، وفق صندوق النقد الدولي.

لكن العلاقة ليست زر تشغيل مباشرا، قد لا ترتفع كل القروض بالسرعة نفسها، ولا تتأثر كلها بالعائد ذاته. فبطاقات الائتمان مثلا ترتبط غالبا بسعر الفائدة المرجعي للبنوك وشروط العميل، كما يوضح مكتب الحماية المالية للمستهلك الأمريكي.

من سوق السندات إلى جيب المستهلك (الجزيرة)

ماذا عن الذهب وبيتكوين؟

الذهب لا يمنح حامله دفعة فائدة دورية مثل السندات. ولهذا تقوى جاذبية السندات النسبية حين تقدم عائدا أعلى، فالمستثمر يقارن بين أصل يمنحه دخلا دوريا، وأصل يحتفظ به للتحوط وحفظ القيمة.

لكن لا يجوز تحويل هذه المقارنة إلى حكم آلي بأن الذهب يهبط كلما ارتفع العائد. فسعر الذهب لا يتحرك بالعوائد وحدها، بل يتأثر أيضا بالدولار والطلب الاستثماري ومشتريات البنوك المركزية والمخاطر السياسية والاقتصادية. لهذا قد تطغى دوافع التحوط على ضغط العوائد في فترات القلق. لذلك، ارتفاع العوائد يزيد كلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالذهب، لكنه لا يلغي دوره عندما تتصاعد المخاوف من التضخم أو الدين أو الاضطراب الاقتصادي.

ولا يقدم بيتكوين دخلا دوريا أيضا، لكن مساواته بالذهب بوصفه ملاذا آمنا تتجاوز ما تثبته حركة السوق. وبحسب مذكرة صادرة عن شركة الخدمات المالية الأمريكية تشارلز شواب، تتأثر بيتكوين بعوامل منها شهية المخاطرة والتطورات التنظيمية وتدفقات المستثمرين.

لذلك، قد يضغط العائد المرتفع على بيتكوين عندما يقلل شهية المستثمرين للأصول المتقلبة ويجعل العائد المتاح في السندات أكثر جاذبية. لكن هذا ليس قانونا ثابتا. فقد تتحرك بيتكوين أيضا مع تدفقات الصناديق أو تغيرات الدولار أو توقعات التنظيم.

صعود الذهب وبيتكوين في وقت واحد لا يثبت أنهما يؤديان الوظيفة الاستثمارية نفسها. فالذهب أداة تحوط تقليدية لا تمنح دخلا، أما بيتكوين فهي أصل رقمي عالي التقلب، يتأثر بدرجة كبيرة بالسيولة وشهية المخاطرة وتطورات السوق الخاصة به.

العائد المرتفع يمنح المستثمر دخلا دوريا من السندات ويزيد المنافسة أمام الذهب وبيتكوين اللذين لا يقدمان فائدة دورية. (الجزيرة)

إذ يبدأ الأمر بعائد يطلبه المستثمر، ثم تظهر نتيجته المحتملة في الرهن وتمويل الشركات وحسابات الموازنة. بعد ذلك فقط يظهر الذهب وبيتكوين في الصورة. فالذهب ينافس السندات بوصفه أداة تحوط لا تمنح دخلا دوريا، وبيتكوين أصل رقمي شديد الحساسية للمخاطرة والسيولة. أما القصة الرئيسية فتبقى عند المستهلك: من يدفع أكثر عندما يصبح الاقتراض أغلى؟