لم تعد موجة ارتفاع عوائد السندات الحكومية العالمية شأنا يخص المستثمرين ومديري المحافظ وحدهم، إذ تمتد تداعياتها تدريجيا إلى القروض ومدخرات الأسر وأسواق الأسهم، وصولا إلى الوظائف والضرائب والإنفاق الحكومي، في وقت تتزايد فيه الضغوط على أسواق الدَّين بفعل مخاوف التضخم واتساع العجز المالي وتصاعد التوترات الجيوسياسية.
وفي الولايات المتحدة، التي تشكل سندات خزانتها مرجعا أساسيا لتسعير الأموال عالميا، اقترب عائد السندات لأجل 10 سنوات من 4.8% خلال الأسبوع الأول من سبتمبر/أيلول، بعد موجة بيع دفعت العوائد طويلة الأجل إلى مستويات مرتفعة تاريخيا، بينما أعادت الأسواق رفع احتمالات تشديد مجلس الاحتياطي الفدرالي للسياسة النقدية.
اقرأ أيضا
list of 3 itemsend of list
وبالنسبة للأسر العربية، لا ينتقل هذا الأثر بالطريقة نفسها في جميع الدول، ففي الاقتصادات المرتبطة عملاتها بالدولار يظهر بصورة أوضح في تكلفة الائتمان وأسعار الأصول، بينما قد يكون أوسع في الاقتصادات ذات المديونية المرتفعة أو العملات المعرضة للضغوط، حيث يمكن أن يمتد إلى سعر الصرف والموازنة والتضخم.
انتقال العوائد
عندما تنخفض أسعار سندات الخزانة الأمريكية وترتفع عوائدها، ترتفع معها تكلفة التمويل المرجعية التي تقارن بها الحكومات والشركات والمستثمرون العوائد على الأصول الأخرى. لكنّ انتقال ذلك إلى القرض الذي يدفعه الفرد ليس مباشرا بالضرورة، إذ يعتمد أيضا على السياسة النقدية المحلية، وفائدة ما بين البنوك، ومخاطر المقترض وهوامش البنوك.
وتزداد قوة هذه العلاقة في معظم الدول العربية التي تربط عملاتها بالدولار، إذ يؤدي الحفاظ على استقرار سعر الصرف وحرية حركة رأس المال إلى تقليص المساحة المتاحة للابتعاد كثيرا عن السياسة النقدية الأمريكية.
ويقول الباحث الاقتصادي محمود مفيد عبد الكريم للجزيرة نت، إن تأثير ارتفاع العوائد يصل إلى المواطن العربي عبر عدة مسارات، في مقدمتها “السياسة النقدية المستوردة” في الاقتصادات المرتبطة بالدولار، ثم أسعار الفائدة المرجعية المحلية، إلى جانب ارتفاع تكلفة الاقتراض الحكومي وإعادة تسعير الأسهم والعقارات وتأثر الاستثمار والتوظيف.
ويتفق معه الخبير الاقتصادي محمد النويلة خلال حديثه للجزيرة نت، الذي يرى أن المواطن يشعر بالتداعيات أساسا في “قسط القرض وفاتورة المعيشة والعائد على مدخراته”، مشيرا إلى أن الأثر يختلف باختلاف هيكل الاقتصاد ونظام سعر الصرف.
وتظهر هذه العلاقة بوضوح في الإمارات، حيث يُعد سعر “إيبور” (سعر الفائدة بين البنوك) مرجعا تستخدمه البنوك في تسعير القروض العقارية والشخصية وتمويل السيارات. وبلغ إيبور لثلاثة أشهر نحو 3.96% في الرابع من سبتمبر/أيلول الجاري، في حين تجاوز أجل العام 4.34%، بحسب بيانات مصرف الإمارات المركزي.
كلفة الاقتراض
لا تتأثر جميع ديون الأسر بالدرجة نفسها. فالتمويل العقاري ذو السعر المتغير يُعد من أكثر المنتجات حساسية، بسبب طول مدته وضخامة أصل الدين، بينما لا يشعر صاحب القرض ذي السعر الثابت بالتغير إلا عند انتهاء فترة التثبيت أو إعادة التمويل.
ويضرب عبد الكريم مثالا بقرض عقاري قيمته 1.5 مليون درهم (نحو 408 آلاف دولار) لمدة 25 عاما، إذ يرتفع القسط الشهري، وفق حساباته، من نحو 8337 درهما (2270 دولارا) عند فائدة 4.5% إلى نحو 9211 درهما (2508 دولارات) عند 5.5%، أي بزيادة تقارب 874 درهما (238 دولارا) شهريا.
وتختلف الصورة في تمويل السيارات، إذ تكون آجاله أقصر وأسعاره ثابتة في كثير من الحالات، وبالتالي يتحمل المشتري الجديد أثر الفائدة المرتفعة أكثر من صاحب قرض قائم بسعر ثابت.
أما بطاقات الائتمان، فيحذر الخبراء من أن تكلفتها قد تكون أعلى بكثير من القروض التقليدية، لكنّ ارتباطها بعوائد السندات أقل مباشرة، لأن تسعيرها يعتمد بدرجة كبيرة على مخاطر الائتمان والحدود التنظيمية وهوامش البنوك.
ويرى الخبير الاقتصادي أحمد عقل خلال حديثه للجزيرة نت، أن استمرار العوائد المرتفعة يجعل المنافسة على الأموال أكثر كلفة، إذ تحتاج البنوك إلى موازنة العائد الذي تقدمه للمودعين مع تكلفة الإقراض، وهو ما يبقي تكلفة التمويل مرتفعة بالنسبة للأفراد والشركات.
القروض العقارية المتغيرة الفائدة أكثر حساسية لارتفاع العوائد ما يرفع الأقساط الشهرية ويزيد أعباء الأسر (غيتي)
تفاوت التداعيات
غير أن ارتفاع العوائد لا يرسم السيناريو نفسه، ففي الاقتصادات المرتبطة عملاتها بالدولار، يكون انتقال السياسة النقدية الأمريكية أكثر مباشرة نسبيا، لكنّ استقرار سعر الصرف يحد من قناة أخرى شديدة التأثير على دخل الأسر، وهي انخفاض قيمة العملة المحلية أمام الدولار، ما يجعل الضغوط تتركز بدرجة أكبر في تكلفة الاقتراض والاستثمار وأسعار الأصول، مع اختلاف حجمها بين دولة وأخرى بحسب أوضاع السيولة والمصارف والمالية العامة.
أما الاقتصادات ذات المديونية المرتفعة أو العملات الأكثر عرضة للضغوط، فقد تواجه قناة إضافية، فارتفاع العائد الخالي من المخاطر عالميا يدفع المستثمرين إلى طلب عائد أعلى لتمويل الاقتصادات الأكثر مخاطرة، ما يرفع تكلفة إعادة تمويل الديون الحكومية، وقد يزيد الضغط على العملة واحتياطيات النقد الأجنبي.
وهو ما يشير إليه النويلة، مضيفا أن الفارق الأساسي هو أن الأسر في الاقتصادات الأكثر هشاشة يمكن أن تواجه التأثير عبر تكلفة الاقتراض وارتفاع أسعار الواردات معا، وليس عبر الفائدة وحدها.
وتبرز مصر مثالا على ثقل أسعار الفائدة المحلية، إذ أبقى البنك المركزي المصري في أغسطس/آب الماضي سعر عائد الإيداع لليلة واحدة عند 19% والإقراض عند 20%، في حين بلغ التضخم العام 14.9%.
وتزداد أهمية ذلك مع ارتفاع الدين، إذ يقدر صندوق النقد الدولي أن مدفوعات الفائدة في مصر تستوعب نحو 73% من الإيرادات، بما يقيد المساحة المتاحة للإنفاق ذي الأولوية.
شاهد ايضاً
ولا يعني ذلك أن كل ارتفاع في العائد الأمريكي ينتقل تلقائيا إلى الضرائب أو الأسعار في هذه الدول، لكنّ استمرار تكلفة التمويل العالمية عند مستويات مرتفعة يزيد الضغوط القائمة أصلا، خصوصا عند الحاجة إلى إصدار ديون جديدة أو إعادة تمويل ديون مستحقة.
البنك المركزي المصري في أغسطس الماضي سعّر عائد الإيداع لليلة واحدة عند 19% والإقراض عند 20% (رويترز)
توزيع الأعباء
وفي الجانب الآخر من المعادلة، يخلق ارتفاع أسعار الفائدة فئة من المستفيدين، في مقدمتها أصحاب الودائع والسيولة الذين يحصلون على عوائد أعلى من أموال كانت تحقق دخلا محدودا في بيئة الفائدة المنخفضة.
ويقول عقل إن “الرابحين هم المقرضون بشكل عام”، ومن بينهم المودعون، بينما يأتي المقترضون في مقدمة المتضررين، خاصة أصحاب الديون التي يعاد تسعيرها دوريا.
لكنّ العائد الاسمي المرتفع لا يعني بالضرورة زيادة الثروة الحقيقية، فإذا حصل المودع على فائدة 4% بينما ترتفع تكلفة معيشته 5%، فإن قوته الشرائية تتراجع رغم زيادة رصيده النقدي.
كما أن المكاسب والخسائر لا تتوزع بالتساوي بين الأسر. ويرى النويلة أن الأسر الأكثر ثراء غالبا ما تمتلك قدرا أكبر من الأصول والودائع، في حين تعتمد شرائح أصغر سنا أو أقل دخلا بدرجة أكبر على التمويل العقاري والاستهلاكي، وبالتالي قد يزيد ارتفاع الفائدة الفجوة بين المدخر الصافي والمقترض الصافي.
ولا تتوقف التداعيات عند القروض والودائع، إذ يشير عقل إلى أن الاستثمار يصبح في الأسهم أقل جاذبية نسبيا عندما يستطيع المستثمر الحصول على عائد مرتفع من أدوات أقل مخاطرة، كما يؤدي ارتفاع سعر الخصم المستخدم في تقييم التدفقات النقدية المستقبلية للشركات إلى الضغط على تقييمات الأسهم.
وقد ظهرت هذه الحساسية مجددا في وول ستريت في الرابع من سبتمبر/أيلول الجاري، عندما ارتفعت عوائد الخزانة بعد بيانات وظائف أمريكية قوية، وتراجعت مؤشرات الأسهم الرئيسية مع زيادة توقعات رفع الفائدة.
ارتفاع الفائدة يعزز عوائد المدخرين فيما يزيد أعباء المقترضين ويضغط على تقييمات الأسهم والقوة الشرائية (رويترز)
الأثر الأبطأ
استمرار العوائد المرتفعة لفترة أطول، قد ينذر بتجاوز آثارها الزيادة المباشرة في كلفة القروض لتصل إلى المالية العامة ومستوى الخدمات المقدمة للأفراد.
فارتفاع كلفة إعادة تمويل الديون يدفع الحكومات إلى تخصيص حصة أكبر من إيراداتها لسداد الفوائد، ما يضيّق المساحة المتاحة للإنفاق على الاستثمار والخدمات والدعم، وقد يدفعها في المقابل إلى البحث عن مصادر إضافية للإيرادات.
وفي الوقت نفسه، تواجه الشركات تكلفة أعلى للحصول على رأس المال، ما قد يدفع بعضها إلى تأجيل التوسع والاستثمار والتوظيف، خاصة الشركات الصغرى أو الأكثر مديونية.
ويرى عقل أن استمرار التشدد المالي والنقدي يمكن أن يخفف التضخم من خلال إضعاف الطلب، لكنه في المقابل قد يبطئ النشاط الاقتصادي وفرص العمل إذا طال أمده.
وهنا تبرز مفارقة ارتفاع العوائد بالنسبة للأسر، إذ يشير النويلة إلى أن تشديد الأوضاع النقدية قد يسهم في كبح التضخم تدريجيا، لكنه يرفع في الوقت نفسه كلفة الاقتراض ويحد من الطلب والاستثمار، ما يعني أن تراجع الضغوط على الأسعار قد يترافق مع أعباء أكبر على المقترضين وضغوط على سوق العمل.
حماية المدخرات
يتفق الخبراء على أن إدارة الديون تمثل نقطة البداية بالنسبة للأسر، خاصة الديون مرتفعة التكلفة أو ذات الفائدة المتغيرة، مع معرفة موعد إعادة تسعير القرض بدلا من الاكتفاء بحجم القسط الحالي.
ويوضح عقل أن أهمية الاحتفاظ بسيولة كافية للطوارئ تقلل الحاجة إلى الاقتراض بتكلفة مرتفعة أو بيع الأصول في فترات هبوط الأسواق، فضلا عن أن تنويع المدخرات بين فئات وآجال مختلفة يساعد على الحد من المخاطر، مع ضرورة تقييم العائد الحقيقي بعد احتساب التضخم، بدلا من الاكتفاء بالنظر إلى العائد الاسمي.
ويرى عبد الكريم أن تقليل الديون الأعلى تكلفة، وبناء احتياطي نقدي، وتوزيع استحقاقات أدوات الدخل الثابت بدلا من حبس الأموال كلها أدوات تساعد على تقليل حساسية الأسرة لتقلب الفائدة.
ويشدد النويلة بدوره على أن تنويع المدخرات وتجنب الإفراط في الاقتراض والاحتفاظ بمصروفات طوارئ لعدة أشهر يوفر للأسرة مساحة أكبر لامتصاص الصدمات.







